ومن آياته خلق السماوات والأرض وإختلاف ألسنتكم و ألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين
صدق الله العظيم الروم (22)
معنى آياته أى من معجزاته , من علاماته .
هذه سنة الله فى خلقه والتى يوصفها عز وجل أنها من علامات وجوده ومعجزات خلقه . وبئس من لم يوقر سنة الله فى خلقه , وبئس من لم يؤكد على سنة الله فى أرضه .فى إفتتاح البرلمان وأثناء اداء الأعضاء ليمين العضوية أقحم بعض الأعضاء عبارة " بما لا يخالف شرع الله "
وذلك للتأكيد على إلتزام هؤلاء بشرع الله وبضوابطه وأحكامه كما وردت فى الكتاب الكريم . هل سمع هؤلاء بهذه الأية الكريمة من سورة الروم , هل أحسنوا تفسيرها , هل سيعملوا بها كما أقسموا
دستور مصر بعد ثورة يناير 2011 إن لم يكن على مستوى هذه الأية العظيمة المؤكدة على تعدد الأعراق واللغات والألوان والثقافات والأديان فهو دستور يخالف شرع الله كما يفهمه بعض النواب الأسلامويين . وسيكون دستور يخالف كل المبادىء الدينية والأنسانية بشكل عام التى تؤكد على وجوب الأعتراف و إحترام الأختلاف النوعى والعرقى والإثنى بين البشر .
مصر ليست حكراً على دين واحد وعرق واحد و لون واحد ولغة واحدة و خصوصية ثقافية واحدة . مصر وطن عظيم ثرى بعرقيات وألوان ولغات مختلفة ويستحق دستورها المنتظر أن يتزين بتلك المبادىء العظيمة ويتحدث بوجودها وإختلافها و إحترامها والسعى لإحياءها و التباهى بها .
من فى مصر ليس لديه صديق او زميل عمل مسيحى الديانة
من فينا لم يلمس خصوصية ثقافية لأهالى المناطق الساحلية المصرية كالأسكندرية ومدن القناة , من فينا لم يلحظ الخصوصية الثقافية المميزة لأهالينا البدو شرقاً وغرباً فى سيناء ومطروح , من فينا لم يرى بوضوح خصوصية ثقافية مميزة لأهالينا فى الدلتا وأهالينا فى الصعيد .
من فى مصر لا يشعر بوجود خصوصية عرقية ولغوية و ثقافية تميز اهالينا الأمازيغ فى سيوة والنوبيين فى كل أنحاء الوطن . الأمازيغ والنوبيين خصوصاً ترى فيهم هذا التميز بوضوح فهم يرطنون بلغة أخرى غير العربية . العربية عندهم هى لسان فقط وتم تداولها حديثاً بمقاييس التاريخ تبعاً لظروف إضطرارية ورضوخاً لتغيرات زمانية ومكانية . ولكنهم قطعاً ليسوا عرب ...
جيراننا على الضفة الأخرى من الأطلنطى فى أمريكا اللاتينية يتحدثون الاسبانية وقطعاً هم ليسوا أسبان ولن يكونوا .
و لا ارى عيباً او مانع للأعتراف بوجود لغات محلية مثل النوبية و الأمازيغية فى دستور مصر وليس عيباً التأكيد على وجوب إحيائها فى مناطقها والعمل على تدريسها طوعياً فى تلك المناطق من الوطن فهى تمثل تراث إنساني جدير بالدولة أن تكون الساعية إلى الحفاظ عليه وتوثيقه فهو ثراء للأمة وليس إضعافاً لها .. هو تأكيد على هويتها ونكهتها و تاريخها وليس دعوة لتفتيتها او تقسيمها .
الوطن هو انا النوبى وانتا البحرواى وانتى الصعيدية و أخواننا من الأمازيغ والبدو .. مشكلة كبيرة إن لم يستطع الوطن صياغة ما يشير لهذا ويؤكد عليه . ازمة حقيقة لو دستور الوطن لم يعبر عن الوطن كما يجب .. هو بالنسبة لى شخصياً دستور لا يعنينى ولا اعترف به
صورة المصرى النمطية والتى عناصرها هى رجل أبيض مسلم سنى يلبس بدلة ويسمع ام كلثوم هى تابوه واجب كسره الأن .. ليس لخطاً بها ولكن فقط هى غير مكتملة وغير معبرة عن عموم الشعب المصرى الذى فيه من هو إمرأة واسود ومسيحى وشيعى ويلبس جلباب بدوى ويسمع فكرى الكاشف
مصريجب أن تكون لوحة فنية متكاملة تتداخل فيها الألوان والأشكال والنكهات لتصنع لنا فى النهاية لوحة شديدة الإبهار لوطن قادر على إحتواء أعراق و أديان ولغات وهويات مختلفة ... وطن يجمعنا لا يوحدنا
يوجد فارق عظيم بين وطن يجمعنا كما نحن ... و وطن اخر يوحدنا فى قالب نمطى وضيق
وطنى هو مكان يحترمنى ويفخر بوجودى ويتباهى بى .. دستورى هو وثيقة تعترف بوجودى وتوصفنى وصفاً دقيقاً
ايو بيووه وردى ..... وردى ديوسوا .. يا ملن الله منا اديل دارى .. منقا ناوروا
(( كبرت ليك ............ تسعتاشر سنة ))
(( جات تندلى بالوديان عديلة ...... الكاحلة بلا كحل .. بت القبيلة ))
(( والناس اللي كانو السبب .. رموني وصبحو فراجه ))
(( وسكتي الخشامة ............... وزيدى العواذل كي ))
تقديم مشهد 1
الزمان ثلاثينيات القرن العشرين
سكون موسيقى النكهة يغلف ليلاً هادئاً ذو سماءاً صافية تحتضن فى كبدها سراجاً منيراً تتضاءل بجانبه أنوار باريس وكأنها لوحة بديعة تنقصها لمسة من سحر . فيظهر فى المشهد نيل نوبى رقراق ينساب فى مساره وسط جنادله الكثيرة , فتدرك وقتها لما هو سكون موسيقى النكهة فالماء فى انسيابه يرتطم بوداعة فى صخور الجنادل فتعزف الطبيعة نغماتها الشجية فى اوركسترا ربانى بديع وعلى ضفتى هذا الساحر تترامى أراض سوداء صبغتها تراكمات طبقات الطمى على مدى قرون لا نعلم عددها منذ أن بدأ تدفق النيل فى مساره هذا , وعلى الضفاف تتناثر معابد وتماثيل وأهرامات نوبية تنتمى لحضارة كوش القديمة و نشاهد أيضاً نخيلاً مثمراً تتهادى جذوعه بفعل نسيم بارد عليل فى ليلة صيفية رطبة . ما سبق كان عناصر لوحة فنية تكون فى مجملها قرية نوبية صغيرة إسمها صواردة تقع على ضفاف النيل النوبى ضمن قرى كثيرة متراصة تُشكل عمودية السكّوُت اكبر عموديات حلفا ..
حلفا . حاضرة المدن السودانية وأحد أقدم مدن إفريقيا والعالم و التى ترقد الأن فى سلام فى قاع بحيرة النوبة الممتدة بين مصر والسودان بجوار شقيقاتها من القرى النوبية فى وادى النيل إثر بناء السد العالى وخزان أسوان
نعود لقريتنا صواردة ولبيت نوبى فسيح ترقد فى أحدى حجراته بتول أحمد بدرى شريف إينة عمدة صواردة أحمد بدرى شريف المسجون وقتها فى سجن دنقلة لرفضه دفع خراج القرية إلى الأتراك الحاكمين , بتول تعانى من الآم الوضع وبجوارها أمها وبعض من نسوة القرية . ويرقد فى حجرة مجاورة زوجها على فراش الموت ينتظر الأجل المحتوم .
وتضع بتول ذكراً .. وفى نفس الوقت يستريح أبوه من عناء الأنتظار . وفجأة .. زغردت النسوة إبتهاجا بالمولود الذى سُمى على إسم خاتم النبيين والمرسلين .. محمد , وتنصب القرية سرداق عزاءها بعد ان غادر الأب سريعاً .. وترك أبناً ستبتسم له الأقدار
أسمه محمد عثمان حسن صالح وردى ....
التاريخ 19/7/1932
مشهد 2
الزمان العقد الأول فى الألفية الثانية
أستديو فسيح وفخم جداً و وسط ديكورات وتجهيزات أسطورية وقفت مذيعة البرنامج الحسناء فى كامل زينتها وتألقها وحولها أوركسترا موسيقى ضخم , وقفت تقدم برنامج غنائى هو الأشهر فى الوطن العربى وتنتظره الجماهير من المحيط للخليج والذى يستضيف أسبوعياً نجم شهير من بين نجوم الغناء العربى ليتحدث عن تجربته الغنائية ويشدو بأحلى اغانيه وسط صيحات وتصفيق جمهور الحاضرين بأجر من الفتيان والفتيات , البرنامج يستضيف كثير من النجوم , الغث منهم والسمين
من الشمال عند جبال لبنان وقيسون حيث راغب و نانسى وهيفاء ثم شرقاً بمنطقة الخليج ومطربيها الكبار حيث الجسمى وراشد ومحمد عبده مروراً بالوسط وقلب الوطن العربى مصر بمطربيها على كثرتهم ومنهم أنغام وشيرين وتامر نهاية بأقصى المغرب العربى وفنانو تونس والجزائر والمغرب لطيفة و صابر و جنات .... الخ ... ولــــــــــكـــــــــــن ,,,
هم لم يهبطوا جنوباً للأسف , لم ولن يعترفوا أن فى الجنوب وعلى ضفاف وادى النيل توجد أساطير الفن والغناء والكلمة واللحن والأداء ... أملك إيماناً عميقاً مفاده أن أغنية واحدة من وادى النيل بألف مما يعدون
ولكنه وللأسف الجنوب الفقير الذى تعيش فيه الجماهير السوداء الفقيرة التى لا تملك رأس المال لكى توهب فنها ما يستحقه من مقام رفيع وإحتفاء من عالمه العربى الذى تنتمى إليه إسماً .. الثرى الخليجى والعربى الابيض الذى تتوجه إليه كاميرات البرامج وشركات الأنتاج الكبرى و حناجر المطربين والقنوات القضائية , كلهم تجذبهم حافظة نقوده المنتفخة ليغنوا بلسانه ولذوقه ..
حتى صار الذوق السمعى رهن لرأس المال حيث كان ... يتبارى الكل فى إرضائه
من يكون مصطفى سيد احمد و خليل فرح و محمد وردى ومحمد الأمين و صلاح بن البادية و عبد الكريم الكابلى . من يكونوا هؤلاء ؟ مجرد فقراء يغنون بلسان ولذوق فقراء مثلهم
كم إعلان سياتى للمحطة لو كان ضيف الحلقة القادمة من البرنامج محمد الأمين ؟؟
بكم سنبيع تذكرة الحفلة لو كان مطربها محمد وردى على أسطوريته ؟؟
كم سودانى أو نوبى يستطيع ان يدفع 300 دولار سعر التذكرة فى أقل حفل ؟؟
بل حلقة عن عظمة فن راشد الماجد او الجسمى أو حفلة يحييها راغب علامة أو شيرين هو المبتغى والمنية ..
اه لو كانت ثروة النفط فى وادى النيل ..... كانت ستتقاطر المحطات الفضائية والكاميرات وكافة الوسائل الإعلامية وأشهر متعهدى الحفلات فى العالم العربى إلى أرض الوادى منبع الفنانين العظام لكى يكونوا نجم الصف الأول ليس لفنهم وهو يستحق بالطبع ولكن لجيوب جمهورهم المليئة بالدولارات .....
تباً وسحقاً لراس المال وذوق رأس المال وعبيد رأس المال ,,,
رأس المال الذى يحدد ويختار النجوم والفنون فنجد قناة أسمها روتانا خليجية توثق لكل مطربي الذوق واللسان الخليجى إبداعاتهم أياً كان رأينا فيها .
ولا يسعنا نحن أبناء الوداى فى النوبة والسودان سوى عظيم الجهد للتنقيب والبحث عن فيديو نادر أو ملف صوتى ردىء الصوت لعظماء فنانينا .
فى رثاء فنان إفريقيا الأول ... محمد وردى
وردى أحد شوامخ الغناء فى إفريقيا والموسيقار الحائز علي جائزة نيرودا .. هو صانع الغناء الحديث ورائده الأول ، مسيرته الفنية والوطنية كانت مشواراً طويلاً . أسهم بإبداعه وفكره وجهده في تشكيل الوعى الوطنى فى كل ازمانه منذ فجر التاريخ منذ بعانخي مروراً بملاحم كرري وأم دبيكرات ومعارك الاستقلال منذ ثورة ود حبوبة وكفاح جمعية اللواء الأبيض ونضال الخريجين بقيادة أزهري ورفاقه . أمتلك قلوب محبيه من النوبة المصرية شمالاً إلى اواسط إفريقيا جنوباُ من اليمن شرقاً وحتى أبواب السنغال غرباً .. كان امبراطوراً فنياً متوجاً على منطقة القرن الإفريقيى كله . وردى الذى شاء القدر ان يرتبط اسمه بعملاق أخروان يولد والنوبة السودانية تغسل أحزانها أثر رحيل مطربها وشاعرها الأشهر خليل فرح الذى مات فى نفس عام مولد وردى , خليل فرح إبن حلفا والنوبة والرائد الذى مهد الطريق للرعيل الأول من فنانى السودان والذى تكفيه فقط أغنية "عزّة فى هواك" التى سجلها بصوته فى القاهرة فى ثلاثينيات القرن العشرين . وهى بمثابة النشيد القومى والشعبى الأول فى السودان وصارت علامة بارزة فى تاريخ الفن السودانى ولن أنسى الفنان صلاح بن البادية لما تغنى بخليل وعلامته البارزة فى تاريخ الغناء فى السودان فى أغنيته الرائعة - أبناء النيل - " ونحنا زى ما قال خليل يا عزتنا نحنا فى هواك " للتدليل على رسوخ الأغنية فى وجدان الشعب السوادنى
خليل فرح
ويشاء الزمن أن تتشابك خيوطه و تمتد لتربط بين عمالقة السودان فنجد الطيب صالح روائى السودان الشهير وصاحب الملحمة الروائية " موسم الهجرة إلى الشمال " والذى لم تفز به نوبل وخسرت ارتباطها باسمه نجده يشترك مع وردى فى تاريخ الرحيل ليصبح يوم 18/2 يوماً فريداً حزيناً فى تاريخ السودانيين حيث فقدوا فيه قامتهم الأدبية العظيمة الطيب صالح ثم الأن وردى
الطيب صالح روائى السودان الشهير
الحديث عن وردى لا يبدو سهلاً , هو دولة مترامية الأطراف تحتار من أين تبدأ ..
وردى الرومانسى و العاطفى
قصص كل المحبين والعشاق فى تلك المنطقة من العالم كانت تغزلها وتزينها أغانى وردى فى الحب والريدة و السهروالهجر والفراق و الفرح والعديلة والزواج وكانت شرائط وردى أغلى الهدايا ورسول الصلح والغفران بين المحبين على مدى سنين واجيال وسنأخذ من معين وردى أمثلة على تفرده وتربعه على عرش فنانى السودان..
أحدث وردى إنقلاباً فى الأغنية العاطفية والرومانسية السودانية عندما غنى رائعته بعد أيه فى ستينيات القرن الفائت أغنية بعد أيه فى مقدمتها الموسيقية تمثل إضافة خالدة فى تاريخ الموسيقى السودانية مثلها مثل قيمة أغنية أم كلثوم الشهيرة انت عمرى والتى كانت لقاء السحاب عندما لحنها محمد عبد الوهاب والتى كانت فتحاً جديداً فى المقدمات الموسيقية الشرقية .
والأغنية كاملة من حفل محمد وردى فى عدن* .. " جيت تايب يا حليلك والفؤاد ملكوه غيرك - ربي يعدل ليك سبيلك وكل مناي في الكون عديلك "
أغنية بعد أيه كاملة من حفلة عدن
ومازالت أغنيته - عيون - ماثلة فى أذهان كل العشاق والمحبين عندما قال أجمل وصف لعيون حبيبته من غير امعان في الحسيات
" عيونك زي سحاب الصيف تجافي بلاد وتسقي بلاد .. وزي وطنا وقت اشتاقلو برحل ليه من غير زاد "
بل إن أغنيته الشهيرة - الود* - كانت سبباً كافياً لتكتب الصحفية السودانية المهاجرة فى كندا رقية رواق نصها الأدبى البديع فى رثائه عزيزى محمد وردى .. لك كل الود
. وتأتى أيضاً اغنية سوات العاصفة بإيقاع السيرة المميز عندما يصف حاله لما داهمه الحب وكيف فعل فيه
" فعل السيل وقت يتحدر .. يكسح ما يفضل شى .. ده كان حبك وقت حسيته .. وشفت الدنيا دارت بى "
وردى النوبى
الملك تراهاقا النوبى أسس احد أعظم الأمبروطوريات فى التاريخ الإنسانى وامتدت دولته التى كانت مركزها فى منطقة النوبة إلى الجزيرة العربية والشام واواسط إسيا إلى جنوب تركيا وكان ذلك فى عام 664 قبل الميلاد . عندما تتطالع صورته لا تستطيع ان تُبعد عن خيالك صورة حفيده وردى الذى يماثله فى قامة عملاقة مهيبة و وجه نوبى تنطق تقاطيعه بشموخ غامض وتصادف ان يخلفه أيضاً فى امتلاك قلوب وعقول النوبيين فى اوطانهم وفى الشتات , ولم يكن هناك أفضل من وردى ليخلد سيرة هذا الملك العظيم
" هاهنا يبتسم النهر القديم لبعانغي .. لتهراقا ولمهدي .. لعلي عبد الطيف .. ولعبد القادر حبوبة "
كما لا تُنسى إلياذته - يقظة وطن - كلمات النوبى مرسى صالح سراج
وردى نال نصيبه مثل اى مناضل فى وطنه وسجن فى اواخر الخمسينيات فى عهد عبود بسبب موقفه من مأساة التهجير* التى لن ننساها أجيال خلف أجيال بعد وعلى الجانب النوبى وردى خسارة نوبية فادحة ... لسان نوبى عتيق وأصيل يُفقد وفى المقابل لا نصيب من لساناً نوبياً جديداً يعوضه .. وردى كان يعد وعاء ثقافياً وتراثياً لغوياً متحركاً كان يجيد النوبية بكل لهجاتها الكنزية والفدجكية و المحسية والدنقلاوية وردى فى اللغة النوبية فقط يمكنك إعتباره بروفسيراً متمكناً ومتخصصاً فأى خسارة تلك ؟؟؟
وردى الافريقى
وردى فى الزى الإفريقى - حفل أديس ابابا 1994
نعم مات العملاق وردى .. الشامخ بنوبيته والمؤمن بسودانه و الفخور بأفريقيته . غادرنا وردى و ترك النيل والجبال والنخيل و الصحارى والوديان والغابات والأحراش والوطن والسحنة النوبية والوشمة الزنجية بعد أن خلدهم بأغانيه البديعة .. مات وكثيرون جداً فى عالمنا العربى للأسف فاتهم ان يعيشوا فى عالم ودنيا كان يملأها وردى فنا وإبداعاً ونوراً .. ولكن مملكته الإفريقية شهدت له وعشقته وبكته دموعاً مازالت جارية حتى الآن وعوضته عن عالم عربى ثرى و رخيص فى نفس الوقت واهدته لقب فنان افريقيا الأول بغير استفتاءات أو ارقام مبيعات وكيف لاتهديه هذا اللقب وقد غنى لها ولأرضها السمراء ولرموزها التاريخية ومثال ولا أوضح على هذا أغنيته الخالدة أنا إفريقى حر والتى غنيت خصيصاً لــ ( باتريس لومومبا ) الرئيس الكونغولى المنتخب والذى قتله المستعمر البلجيكى وتلوثت يد نظام عبود بدمه أن ساند ودعم القوى الإستعمارية فى سلبها ونهبها لأراضى الكونغو وثرواته من الماس وخلافه ورفضت سودان عبود تقديم الدعم للمناضل لومومبا كما رفض تمرير المساعدات التى قدمتها مصر والإتحاد السوفيتى مما اثار حفيظة السودانيين وقتها وساهم فى تعبئة المشاعر الثورية لدى جميع قطاعات الشعب ضد ذلك النظام البغيض فكانت رائعته - أنا إفريقى حر - والتى يطلق عليها نشيد لومومبا يابلادي يابلاد الشمس أرض العرايا الطيببين يابلادي سرقوك نهبوك من سنين وسنين يابلادي وابناؤك يابلادي في البادي كادحين يابلادي كم طريد ... كم قتيل ... كم سجين يابلادي خضبوا الغابات غدراً بالدماء تركونا في العراء تركونا دون قوت . دون ماؤي أو كساء أنا افـــــريــــــــــقي حـــــــــــــــرّ .... أنا افـــــريــــــــــقي حـــــــــــــــرّ والحرية في دمي ولسوف أحطم الأغلال مهما كمموا فمي ارض جومو* يابلادي .أرض ناصر . أرض لوممبا* العريقة يابلادي
لقب فنان إفريقيا الأول لم تمنحه لوردى الفضائيات الغنائية أو شركات الأنتاج الكبيرة و أنما منحته له جموع العرايا الفقراء فى غابات و أحراش إفريقيا .
منحته له عندما وقف وسطهم وردى بقميصه الأصفر البسيط فى ستاد العاصمة اديس أبابا يغنى وسط مدرجات مكتظة ببسطاء اثيوبيا أتوا من كل أنحاء البلد الإفريقى الكبير ليروا مليكهم وأبنهم ورفيقهم و شبيههم فى سواد بشرتهم وبساطة ملبسهم وليرقصوا على أنغام موسيقاه الخماسية ويستمتعوا بأغانيه الشهيرة
وردى فى أثيوبيا - ستاد اديس ابابا 1994
يحكى الصحفى السودانى عادل الباز ويقول : "وأنا أتسكع في شوارع أديس أبابا سمعت أغنية نور العين لدى احدهم توكلت على الله وصعدت إلى حيث الصوت. مجموعة من الشباب الأثيوبي يتحلَّقون حول إستريو كبير ويغنون مع وردي ويرقصون , قال لي أحدهم لن ينافس وردي في أديس إلا «استير»!! .. و«استير» هي مغنية الأحباش الشهيرة . في ذلك الوقت كان وردي يقضي ليلته الأخيرة بمستشفى فضيل . ما الذي جاء بوردي هنا؟ وكيف غزا وردي قلوب الأحباش ، ففاضت شوارعها ومسارحها بغناء هذا النوبي؟"
ليس فى أثيوبيا فقط ... فى أسمرة عاصمة ارتيريا الغريم اللدود لاثيوبيا والتى أنفصلت عنها فى أواخر القرن العشرين وقف وردى على اشهر مسارحها ليغنى اريتريا الصمود ... نرى بوضوح أن الرفاق يختلفون ويتصارعون ويبقى اتفاقهم الوحيد على وردى وعلى تأكيد حقيقة أن وردى لكل الأفارقة تماماً كما كانت فيروز فى لبنان وقت الحرب الاهلية الدامية كل الطوائف تحارب بعضها ثم تركن لتستريح وتسمع فيروز النازفة دماً على وطنها المحروق . اه لو كان المبدعون فى مقاعد الحكم لا الساسة
وردى يغنى لأريتريا الصمود
وردى الوطنى
أعتقد جازماً انه لم يغنى مطرب لوطنه كما غنى وردى للسودان ..
فى أحراش جوبا فى أحتفال دولة جنوب السودان الوليدة بإعلان استقلالها كان وردى موجودا بين بنى وطنه سابقاً وصعد على المسرح وغنى دامعاً قاصداً متعمداً .. ابداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا .. بكل رمزيتها وقسوتها ووجعها فى تلك اللحظة وكان رد فعل الجنوبيين هو الأغرب حيث اندفعوا لخشبة المسرح يحييوا ويبشروا ويلوحوا لوردى وسط دموع غزيرة لا تعلم ولا تسأل عن تفسيرها نظر سياسيو الشمال المدعوين والحاضرون الحفل وقتها لبعضهم والسؤال يفرض نفسه ماذا لو كان وردى هو الرئيس وليس البشير؟
من المعروف عن وردى تاييده للزعيم الوحدوى جون قرنق و لما وجهت له ما يسمى بتهمة تأييد قرنق
صرح قائلاً " الراحل جون قرنق صديق عزيز جداً وفقده السودان كثيراً ولو كان موجوداً لتغيَّر الوضع الحالي، وليس عيباً أن أنتمي للحركة الشعبية لأنها حركة لتغيير السودان القديم لسودان جديد وأنا مؤمن جداً بهذا الطرح "
وكان الأنفصال بعد إغتيال جون قرنق النهاية التى للأسف لم يتمناها وردى عندما غنى - أيام أكتوبر - فى ستينيات القرن الفائت " من أقصى شمال بلادى لأقصى جنوب الوادى نعمل للوطن الواحد "
او لما غنى رائعته - شعباً تسامى - وقال مخاطباً وطنه الكبير الواحد "قدرك عالى قدرك .. يا سامى المقام .. ضد العنصريه ... وتحلم بالسلام "
فى أكتوبر 1964 إنطلقت أول ثورة شعبية عربية فى الخرطوم ضد حكم العسكر وحاصرت جموع الشعب السودانى الهئيات والأتحادات والنقابات القصرالرئاسى حتى خلعت المجلس العسكرى بقيادة عبود الذى اذاق الشعب السودانى صنوف القهر و العذاب .. و ويقال هنا أن تسليم السلطة بشكل مفاجىء وقتها لعبود وللمجلس العسكرى كان صنيعة مصرية لتمرير إتفاقات بناء السد العالى واتمام علميات تهجير النوبيين حلفا القديمة إلى حلفا الجديدة فى خشم القربة شرقى السودان وأنطلقت الثورة فى كل أرجاء السودان و خلعت عبود ومجلسه وكان عنوان أول ثورة شعبية عربية قبل الربيع العربى بما يقرب من نصف قرن هو صوت وردى فى رائعته - اصبح الصبح - .. أشهر أغانى ثورة أكتوبر أصبح الصبح ولا السجن ولا السجان باقي واذا الفجر جناحان يرفان عليك وإذا الحزن الذى كحل هاتيك المأقى ابداً ما هنت يا سوداننا يوم عليناثورة اكتوبر التى يتحسر عليها وردى ويتعجب من عدم احتفال النظام بها رغم مباركة كل التيارات لها يمين ويسار وعسكر
وردى مستنكراً عدم الأحتفال بأكتوبر
وعلى كثرة ما غنى وردى لأكتوبر .... تبقى - أكتوبر الأخضر- هى الأهم والأعظم فى رأيى وتابع ادائه هنا .. هو ليس مطرب يؤدى اغنية .. بل هو قائد ثورى يلقى بياناً على شعبه وتسلحنا باكتوبر .. لن نرجع شبراً سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا زرعاً وخضرة ونرود المجد حتى يحفظ لنا الدهر إسماً وذكرى باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغنى بأسمك الشعب انتصر وحائط السجن إنكسر
وردى فى نشيد أكتوبر الأخضر
ويواصل وردى مسيرة نضاله الوطنية فنجده بعد ما يقرب من 20 عاماً عندما إنقلب جعفر نميرى على أفكاره وتوجهاته وأنتهج سياسة القمع وحبس كل المعارضين وتكميم كل الأفواه وقمع كل الحريات حتى صار الشعب السودانى كله مساجين تحت الطلب فى سجون نميرى وخاصة بعد فشل إنقلاب هشام عطا 1971 الموصوف زوراً بالإنقلاب الشيوعى والذى لم يصمد اكثر من ثلاثة أيام وعاد بعدها نميرى أكثر دموية ووجه عدائه بالأخص ضد كل ما هو يسارى وشيوعى وتم تصفية وحل الحزب الشيوعى السودانى وإعدام معظم قادته وفى مقدمتهم سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب وأعتقل الكثير من الشيوعيين وأعتقل وردى بالطبع فى سجن كوبر ويقال ان وردى طلب ان يأتوا له بعوده داخل المعتقل فرد عليه رئيس جهاز الأمن " يا محمد وردي نحن ما قبضناك عشان راكب دبابة نحنا قبضناك عليك عشان عودك ده " ثم زاد الطين بلة وتبنى نميرى فجأة تطبيق المنهج الأسلامى وقرب الترابى إليه وجعله مستشاره السياسى وصدرت أحكام سبتمبر 1983 الهزلية والخاصة بتطبيق الحدود الشرعية على شعب يقع معظمه تحت خط الفقر وعلى شعب منقسم بين الأسلام والمسيحية والوثنية واديان اخرى كثيرة مما سبب فى أشتعال ازمة الجنوب أكثر فى تلك الأجواء وبعد أن أصبح السودان تحت حكم نميرى جحيم لا يطاق قامت إنتفاضة أبريل 1985 وقامت جموع الشعب السودانى لتخلع نميرى وتسلم الحكم فى متوالية مملة إلى وزير الدفاع وقتها سوار الذهب ... وعاد وردى من منفاه وغنى - حمدا الله الف على السلامة - لوطنه بعد ان تم فك أسره من حكم نميرى الديكتاتورى الفردى
" السجن ترباسو انخلع . تحت إنفجار الزلزلة . والشعب باسره إندلع . حرر مساجينو وطلع . قرر ختام المهزلة . بلا وإنجلا " " سداً منيعاً يا وطن .. صه يا طنين البلبلة .. أبداً لحكم الفرد .. لا .. تحيا الديمقراطية .. كم نفديك يا مستقبلا "
جدير بالذكر ان إنقلاب نميرى المايوى ( مايو 1969 ) كان ثورة تنتمى فكرياً لليسار السودانى وأفكاره و توجهاته ولاقت ترحيب كبير من كل مثقفى وفنانى السودان وفى مقدمتهم وردى الذى غنى كلمات محجوب شريف ( أنت يا مايو بطاقتنا التي ضاعت سنينا.. أنت يا مايو ستبقى بين أيدينا وفينا ) ولكن وبعد ان إنقلب نميرى على نفسه أعتذر وردى ورفيقه محجوب شريف للشعب السودانى عن تلك الأغانى ووصفوها انها كانت بمثابة قلة وعى فنى وسياسى و أجتماعى ومن أعراض ما يسمى ( مرض الطفولة اليسارية ) على حد تعبير لينين الشهير. ثم كان وقوع إنقلاب جبهة الإنقاذ الإسلامية يونيو 1989 ولم يستطع وردى العيش فى ظل حكم الإسلاميين الظلاميين وهاجر إلى القاهرة بعد ان سجل رأيه وموقفه فى هذا الأنقلاب الإسلاموى فى أغنيته " سلم مفاتيح البلد "
وتبقى أغنية - على اجنحة الفجر ترفرف - درة وسط عقد فرد من الاغانى الوطنية السودانية ارفع اصواتك هيبة وجبرة وخلى نشيدك عالى النبرة وخلى جراح اولادك تبرأ
على أجنحة الفجر وسط الأثيوبيين
وردى السياسى
يعد وردى بجانب فنه أحد أهم أعمدة اليسار السودانى هو والراحل المقيم مصطفى سيد أحمد .. و عبر وردى فى أغانيه عن توجهه السياسى بوضوح عندما غنى
" تعاهدك يا بلادى حياتى بإخلاصى للحرية .. احارب من أجلك ذاتى .. و اعدائك .. والرجعية .. لتصبحى دار للأحرار .. ينعم فيكى شعبى الأسمر يا بلادى يا بلادى "
وكان أكثر وضوحاً لما قال " إشتراكية سودانية .. إشتراكية سودانية .. من واقعنا لا من اكتر "
ويروى الصحفى المصرى يوسف الشريف فى شهادته المهمة عن السودان وأهله " الشاهد أن محمد عثمان وردى أكتشف نفسه يسارياً تلقائياً , ربما بحكم إنتماؤه الطبقى وربما أن الحزب الشيوعى كان حريصاً على جذبه إلى صفوفه " وكان وردى نجماً دائماً فى حفلات الحزب الشيوعى السودانى .. ويبقى رثائه للمناضل الشيوعى السودانى عبد الخالق محجوب فى اغنيته الرائعة بعنوان - عريس الحمى - شاهداً أكيداً على تلك الشهادة تشعر وكأنه لم يكن يغنى فقط عندما قال ..
" يداً لو اذته ما بنسالما .. وكم نندما .. ورايتو ما بنسلما"" دوخ العدا فى محاكما .. كان وفى شمم .. هو الـ بيحاكما .. روحه لا وجل راح يقدما "
فى المعتقل قبيل إعدامه
عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعى
وردى فى حفل الحزب الشيوعى فى ذكرى عبد الخالق محجوب
و إلى اخر لحظات عمره كان وردى يعلن موقفه السياسى بكل وضوح ولا يخاف فى الحق لومة لائم ونرجع إلى اخر كلماته فى الحوار الاخيرالذى أجراه قبل رحيله بأيام مع جريدة " اخر لحظة "
" الوضع السياسي الحالي أدخل شمال السودان في مطب، أولاً التقسيم الذي حدث في الجنوب والذي ظهرت آثاره بوقف البترول والتحرش الموجود بين الشمال والجنوب ومشكلة دارفور ثم جنوب كردفان والنيل الأزرق، فعدم المرونة في سياسة النظام الحاكم أدخلت السودان في أمر ضيق فمهما إدعى النظام بأن الحالة مستقرة فهناك ظواهر تدل على أنهم غير قادرين على وحدة البلاد ولا على علاقتنا مع الجيران ولا التقدم للأمام ."
الكلام عن وردى لا ينتهى وسيرة وردى تستحق ان تكون موضوعاً للبحث الأكاديمى بأنواعه السياسى والفنى والإجتماعى . وفى النهاية اقول انه من الغبن الشديد ان مطرباً فى قامة وردى لا يتم توثيق مشواره بالشكل اللائق .. ولا تجد تسجيلات نقية واضحة لأهم أعماله واروعها
رحم الله محمد وردى بما أمتع الملايين التى عشقته والتى كان خير معبر عن أحلامها و الآمها وأنتصارتها و إنكسارتها وعواطفها وبما أعطى وطنه النوبى والعربى والسودانى والإفريقى من عظيم فنه .
نحيب اهل السودان على فقيدهم الكبير
قالوا عن وردى ...
" كانت المرة الأولى التى أرى فيها وردى , ياإلهى بدا المغنى الكبير العظيم متألقاً مثل نبى , شهدناه على خشبة المسرح يشع كتمثال برونز هائل , لم تستطع وسائل التصوير بكافة أشكالها عكس الجمال الكاسح الذى تميز به " الفاضل الهاشمى بعدما حضر أول حفلة لوردى فى دار سينما الحصاحيصا فى السبعينيات
" هو نقطة البداية لوعى إستثنائى بالوطن " محمد صالح إبراهيم - أديب سوادنى
" كان فخوراً بنوبيته , فصيحاً فى عروبته و العروبة أصلاً لم ولن تكون عرقاً , العروبة لسان كما قال الرسول (ص) العربى بلسانه وليس بعرقه " الصادق المهدىفى رثائه لوردى أبداً لن أنساك يا وردى ولن تنساك موسيقى وليالى المصريين والسودانيين ولن تنساك الموسيقى العربية ، رحمك الله رحمة واسعة .. وعزائى لكل مصر و السودان” الفنان المصرى محمد منير
" يا لروعة أستبداد تلك الأسطورة .. إبتسام بقدر كبرياء وشموخ , كلمات دقيقة فيها قوة ونفاذ , مغنى إذا جاز الأختصار ... وطن إذا شئت الأختيار .. هو ذلك الذى يجعل للأمم رسماً " أحمد القرشى
" عندما رحل مصطفى سيد احمد رحل نصف الوطن وها هو النصف الآخر يرحل " مواطن سودانى
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ حفلة وردى فى عدن * : أقيمت الحفلة عام 1984 فى عدن عاصمة اليمن الجنوبى الإشتراكى , التجربة العربية الإشتراكية الحديثة والتى ولدت على اكتاف زعماء يساريين مصريين مثل الراحل زكى مراد والراحل نجيب الهلالى وكانت اكثر من واعدة ولكن تم وأدها بعنف لصالح القوى الرجعية فى المنطقة , والحفلة إقيمت أساساً للأحتفال بذكرى مرور 20 عاماً على ثورة اكتوبر السودانية المجيدة
اما الحفل فأعتقد ان من لم يشاهد وردى فى حفلة عدن فهو لم يشاهد وردى من الأساس . وردى قدم أعظم ادائه وتجلياته فى تلك الحفلة وكان فى قمة لياقته الفنية وكان اداء الفرقة الموسيقية المصاحبة أداء خرافى على حد رأى المتابعون وكان الجمهور وهو خليط من يمنيين و سودانيين وأثيوبيين ومصريين فى حالة انتشاء واضحة , ويلاحظ ذلك بوضوح من خلال تنقل الكاميرا بين صفوف الجماهير حيث كان كلً سابح فى ملكوت المتعة والنشوة بفعل اداء وردى الساحر فى تلك الليلة الفنية التى لا تُنسى . ومن المحزن ان كل التسجيلات المتوافرة لهذه الحفلة ليست على المستوى المطلوب ... يا لسعادة حظ كل من وضعته اقداره فى ذلك المسرح فى تلك الليلة
* الود : احد أشهر اغانى وردى العاطفية و تعد علامة غنائية من حيث الكلمات والألحان وهى من تأليف عمر الدوش وتلحين وردى وقام بتوزيعها الموزع الأرمنى ( اندريا رايدر ) وسجلها وردى فى القاهرة بصحبة أوركسترا مصرى عازف واحد فقط من السودان هو محمدية عازف الكمان الشهير , وقد أشتهرت بمقدمة موسيقية طويلة على غير المألوف وقتئذ فى الأغانى السودانية .
ويحكى وردى حكايته مع الود واندريا رايدر فيقول : عندما دخلتُ الصالة .. أذكر أن بصري وقع أول ما وقع على الفنان الكبير فريد الأطرش وبجانبه عوده المزخرف على نحو أنيق ورائع .. ومجموعة من الفتيات والفنانات المصريات والعربيات .. سألني أندريه مبتسما ابتسامة الفنان الذي يتوقع بحدسه الذكي ميلاد مفاجأة ما من أنت؟أجبته بثبات: (محمد وردي .. مطرب من السودان) .. رحب بي وأجلسني إلى جواره .. أضفتُ بدون تردُّدٍ (لديَّ عمل فني قمت بتلحينه في السودان وأرغب في عرضه عليك لتوزيعه إذا راقك) ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة شجعتني .. طلب أن يسمع شيئا من ذلك اللحن .. لم يكن معي عود .. فبادر أندريه بطلب عود الفنان فريد الأطرش الذي كان ينظر لي نظرة نجم القاهرة للغريب المقتحم .. استجمعت في تلك اللحظات كل شجاعتي لتأكيد استحقاق أغنية الود للمشقة التي تكبدتـها من أجلِها منذ سفري من الخرطوم وحتى وصولي إلى القاهرة وانتهاء باقتحامي هذه السهرة المترفة .. غنَّيت بصوت عالِ أذهل الحضور وتمدد مستفيدا من الصمت الذي فرضه على المكان .. وكانت المفاجأة أن أندريه أمسكني من يدي وطلب مني الانتقالَ معه إلى غرفة داخلية ..كان بها البيانو الكبير الذي يستخدمه شخصياً .. ومنذ تلك اللحظة كان ميلاد أغنية الود التي لم أشأ أداءَها مرةً أخرى حتى لا يتشوَّه توزيع أندريه الرائع لها). وأضاف وردي (أصريتُ على أن يتمَّ عزفُ مقدمة المقطع الثالث من الأغنية بآلة الطمبور.. وكانت تلك مغامرةً تجريبيةً أثبتت إمكانيةَ هذه الآلة العريقةِ على مزاملةِ بقية الآلات الموسيقية الثابتة .. بل وأثبتت تألقها.. وذلك ما جعل ذلك المقطع من الأغنية ساطعَ الحضور في سماء القالب اللحني العام للأغنية". ولأن اللحن بلغ حد الكمال الموسيقي آثر الموسيقار الراحل الا يشدو به مرة أخرى وأضحى لا يعيد غناءها ثانية وظلت هكذا بتوزيع العبقري (رايدر) وإلى الأبد.
* سجن وردى بسبب مأساة التهجير : نوفمبر 1961م يعتبر علامة أخري فارقة في علاقة وردي بنظام عبود ، ففي ذلك الوقت بدأت الخطوات التنفيذية لتطبيق إتفاقية مياه النيل ، التي مهدت الى قيام السد العالي ، وهو ما يتطلب ترحيل أهالي حلفا .،، الحكومة إقترحت ثلاثة أماكن كخيار أمام الناس : إما منطقة حوض السليم في دنقلا ،، أو جنوب الخرطوم ،، أو حلفا الجديدة ،، ... معظم أهل حلفا إختاروا حوض السليم خياراً أولاً ،، ثم جنوب الخرطوم كخياراً ثانياً ،، وأخيراً حلفا الجديدة .. وأرسلت الحكومة وفداً برئاسة طلعت فريد الذي قاد الجانب السوداني في المباحثات ليخبر الأهالي بذلك .. وكان أن إنفجر الغضب الشعبي وتم حصار الوفد ، وقام النوبيون في الخرطوم بتنظيم إجتماعات في منزل وردي ، ومنازل أخرين أمثال : جمال محمد أحمد وزير الخارجية فيما بعد ،، وأخيه محجوب رجل الأعمال ،، ومحمد توفيق ،، نتج عن هذه الإتصالات الدعوة الى المظاهرات التي تمت في نوفمبر 1961م . وكانت أول تحد شعبي للنظام العسكري ، في تلك المظاهرات عرف وردي مسـيُل الدموع لأول مرة ، وتم إعتقاله مع آخرين ، وأخذوا الى مديرية الخرطوم ، وقرروا ألا يتحدثوا باللغة العربية إطلاقاً في التحقيق . وبالفعل مكثوا عشرة أيام ، ويذكر أنه كان يستجوب وردي ضابط يدعي / عبدالمنعم جاويش ويقول له : (( يا محمد ... أنت مدرس لغة عربية ، كيف تقول إنك ما بتعرف عربي !؟ )) وكان ردهم أن يحضروا إليهم ضباطاً نوبيون ليتفاهموا معهم بالرطانة .. وفي النهاية وبعد الفشل في إستجوابهم ، عملوا لهم محكمة صورية ، وحكموا علي وردي بالسجن ومنع أغانيه من الإذاعة .
* جومو : جومو كنياتا أول رئيس لكينيا واسمه الكامل كامو جوناتون كينياتا وقد ولد في نيروبى 1894 وتوفي في مومبازا فى 1978 وكان معروفا بجومو كينياتا. كان سياسيا كينيا من أصل قبيلة كيكايو . وأصبح كينياتا رئيس حكومة كينيا، المستقلة في 12 ديسمبر 1963. وبعد عام أي في 12 ديسمبر 1964 . وكان رمزا للمقاومة الشجاعة ضد الاحتلال والكفاح من أجل توحيد كافة الطوائف الدينية والعرقية في كينيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هوامش ..
أحمد حمروش ... مصر والسودان كفاح مشترك
يوسف الشريف .. السودان واهل السودان
عبده يوسف صالح .. وردى فنان كل الأجيال
مشار كوال اجيط .. رثاء وردى فى منتدى يوسف كوة
صفحة التعريف بمحمد وردى على موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا
فتحت الباب ونظرت أول ما نظرت إلى أسفل . كما تعودت دائماً .. أن أقيم الشخص لأول وهلة من قدميه وحذائه . فوجدت شبشب قديم تخرج منه أصابع بأظافر طويلة غير نظيفة وملابس لا تختلف كثيراً حيث تبدو عليها مظاهر الفقر الشديد , بلوفر قديم باهت اللون كثير الثقوب وبنطلون جينز يسأل صاحبه الرحمة و الإعفاء من خدمة طال أمدها . وحقيبة رياضية مهترئة ثقيلة الوزن مفتوحة من كل جانب يمارس جهد شديد فى محاولة حملها شاب فى الثامنة عشر يبدو وجهه شاحب وتظهر عليه كافة مظاهر سوء التغذية و الفقر اللعين ..
بادرته باسماً أتاخرت ليه يا عم انتا ؟
تحول وجهه من التجهم و التحفز إلى أبتسامة ذات غموض ساحر أظهرت إهمال واضح فى فكي أسنانه نتيجة الفقر والذى يجعل من شكل الأسنان جزء من الكماليات شديدة الرفاهية حيث كُسرت كلياً أحداها وأخرى مكسور نصفها
وقال : معلش يا باشا انا لسه راجع من الشغل الأولانى فى المصنع وأول ما وصلت للمكتب الباشمهندس بلغنى بالأوردر بتاع حضرتك
قولت : تمام .. أيه رأيك هنركب الطبق فى السطح ولا البلكونة ؟
قالى : لا أنا بحب أكتر شغل السطح بيكون براحتنا ووبنظبط الأشارة أسهل
قلت : تمام .. توكلنا علي الله وصعدنا الى سطح المنزل وبدأ فى إخراج معداته و أشعلت سيجارة وأنا أتفحص فى هذا ابن الثامنة عشر تقريباً . أين له بأصول وفنون مهنة مثل تركيب الأطباق الفضائية ومتى تعلمها ودُهشت عندما كنت أقارن الشكل البسيط بالمهنة اللتى تتطلب معرفة ومهنية و مبادىء لغة أجنبية للتعرف على أسماء الأقمار والترددات وخلافه وقلت فى نفسى لننتظر ونرى . بدأ فى العمل بجد واجتهاد شديد وتأكدت سريعاً من تمكنه من مهنته وبدأت التحدث معه وعلمت انه يعمل فى مهنتين الأولى فى مصنع أستانلس ستيل على ماكينة طباعة من الساعة التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءاً ثم يذهب فى السابعة إلى مكتب الباشمهندس هشام ليعمل فى مهنة تركيب الأطباق الفضاية وصيانتها حتى الساعة الثانية صباحاً ثم يذهب إلى منزله الذى يستأجره بمشاركة 4 أفراد تكاد حياتهم تتشابه من حيث قسوتها . وعلمت أنه ينتمى لمحافظة اسيوط ويذهب إلى هناك كل أجازة . وجرى بنا حديث عادى عن الظروف و المرتب الضعيف والعمل القاسى وما شابه حتى سألته عن ما إذا كان بأمكانى الأتصال به قريباً حتى يذهب إلى قريب لى لأعادة برمجة جهاز الأستقبال لديه
فرد وقال : فى أى يوم حضرتك أنا تحت أمرك معادا يوم الأربعاء .. سألته مندهشاً : أشمعنى الأربعاء ؟؟ قالى ده يوم 25 يناير وأنا هانزل الميدان .
هنا أنتبهت وأستيقظت حواسى ووجدت أمامى كنز بديع من المناقشات مع واحد من المنسيين و المهمشين والذين نُتهم دائماً بأننا قطعنا عيشهم وارزاقهم وأصبحوا يكرهوننا .. إلخ ..
هو انتا بتنزل الميدان ؟؟!!.. واستطردت انتا مالك انتا ومال الحاجات دى يا عم وبعدين العيال بتوع التحرير دول شوية عيال صيع و بلطجية ومالهمش شغلانة غير المظاهرات وخربوا البلد الهى يخرب بيوتهم كلهم . وانهيت كلامى ثم دخلت فى مرحلة صمت
فى إنتظار أن أسمع ... وسمعت
بدأ وقال .. لا يا باشا مش كل الناس اللى هناك صيع دول ناس متعلمين كويس وماسكين شغلانات كويسة ومعاهم فلوس من الأخر وعندهم وقت فاضى ينزلوا يطالبوا بحقوق الشعب الفقير الشقيان اللى طالع من شغلانة على التانية ومعندوش وقت زيهم ينزل يطالب بحقه , ومفيش هناك بلطجية ولو فى ناس بلطجية وبتحرق وبتخرب دول يأما بتوع طرة أو الحزب الوطنى اللى بيزقوهم
كدت أرقص من داخلى . ثم واصلت .. بقولك ايه يا عمنا الثورة دى كلها عبارة عن مؤامرة عملتها أمريكا واسرائيل عشان يهدوا مصر ويعرفوا يسيطروا عليها .. ونظرت فى عينيه ووجدت ضيق شديد من كلامى وبدأ كلامه بشبه سخرية وقالى يا باشا أوعى تكون بتفرج على التليفزيون المصرى وبتصدق كلامهم . الثورة دى مش مؤامرة من اى حد ..
الثورة دى احسن حاجة حصلت فى تاريخ مصر من الأخر . وأنهى كلامه بتلك الجملة وهو يرغب فى إنهاء الحديث بالظبط مثل ردود أفعالنا عندما نجد واحد من فصيلة العبيد ونرغب فى إنهاء الحديث
وسريعاً صححت له الصورة ووضحت له انى بدأت كلامى هكذا لرغبتى فى معرفة رد فعله ..
فضحك كثيراً وقال : الله يا باشا ما تزعلش منى انا كنت بشتمك من جوايا وبقول امتى هاخلص الشغلانة عند المتخلف ده ... وبدأ يحكى ويسترسل بعدما اطمأن لى وأخذ يسرد بأفتخار شديد بطولاته فى الثورة من يوم 28 يناير إلى أحداث مجلس الوزراء مروراً بأحداث محمد محمود .
سألته أيه رأيك فى الجيش : قالى مفيش أى فرق بينهم وبين حسنى مبارك .. وبعدين حسنى مبارك مش عبيط عشان يسلم البلد لناس غريبة عنه أو مش مطمن لها .. ثم ختم كلامه بأن قال إن شاء الله ياباشا الثورة هتنجح وهنبقى احسن بلد فى الدنيا بس الناس اللى حوالينا تفهم عشان انا كل الناس القريبة منى بتقولى انتا بتاخد كام عشان تنزل التحرير وكلام من ده . وانا برد واقول فى راجل كبير كده بيقبضنا كل يوم 600 جنيه وتعالوا معايا وانتوا تأخدوا ههههههههههه . هقولهم ايه يعنى .. ؟؟
والله عالم جهلة والبهايم بتفهم اكتر منهم رغم يا باشا انتا ممكن تعتبرنى واحد من الناس اللى الثورة جت عليهم بالضرر بس انا مش فارق معايا وهفضل أنزل كل يوم لو حكمت .
قلت والثورة ضرتك فى ايه .. ؟؟
قالى : الباشمهندس هشام كان بيدينى 350 كل شهر وبعد الثورة خلاها 300 بس , رغم إنى بدخلّه فى الشهر مش أقل من 3000 جنيه ولما سألته ليه كده اتحجج وقال ان الثورة خربت بيته وكده رغم أنى شغال معاه ومالاحظتش خالص ان شغله أتاثر من الثورة بس تقول أيه بقى راجل برجوازى ومعفن .!!!!!!!!! قالها وسكت
وأنتفضت أنا من مكانى اييييييييييييييه بتقول اييييييييييييييه ... برجوازى ايه دى .. يعنى برجوازى اصلاً ؟؟
نظر لى بأستغراب وقال ايه يا باشا عادى يعنى ..
قلت له لا .. مش عادى اشمعنى برجوازى ؟؟ .. معناها ايه يعنى ؟؟؟
قالى : لا والله .. انا فاهم معناها بس مش هاقدر اشرحه .
قولت له قول اللى انتا فاهمه وخلاص ..
قالى : برجوازى يعنى ناس كده فى "طبقة" معينة معاها فلوس كتير وبتدوس على كل الناس اللى تحتها ..
وهنا لم أستطع الأنتظار وسألته .. انتا شيوعى ؟؟
لا والله يا باشا فى ناس عندنا فى المصنع مطلعين عليا التهمة دى و بيقولولى انتا شيوعى عشان بنزل الميدان .. وانا أقولهم يعنى ايه شيوعى دى أصلاً ؟؟
وأنتهى حديثنا واخذ يلملم فى معداته ثم همّ بالذهاب .
قلت له .. أستنى أنتا كل ده ومقولتش أسمك ايه .. أسمك ايييييييييه ؟؟
نور يا باشا .... أسمى نـــــــــــــــــور
مصطفى الشوربجى
القاهرة فى 20/1/2012
فكرة : أحمد فؤاد
عقد اتحاد شباب النوبة الديموقراطي مؤتمرا صحفيا في مركز هشام مبارك بالامس بالتعاون مع حزب التحالف الشعبي الاشتراكي و الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي .
و هذا نص البيان
بسم ثورة مصر التى لم تكتمل ...
السادة الحضور بالنيابة عن اتحاد شباب النوبة الديمقراطى اتوجه لكم بالتحية لتشريفكم وحضوركم ..
.. تابعنا مؤخرا وكلنا أسى الأحداث االأخيرة بقرية أبو سمبل التهجير بمركز نصر النوبة .. أحداث غرق القرية وانهيارجسر ترعة وادى النقرة ( المعروفة بترعة زكريا عزمى ) .. ونحن فى مؤتمرنا هذا جئنا لنكشف حقيقة الأحداث والتى دائما تكون الرواية الرسمية لها كاذبة وعارية تماما عن الصحة .
القصة تبدأ منذ بدايات الثورة والانفلات الأمنى وانسحاب الشرطة المتعمد وتقاعصها عن آداء مهامها بعد تظاهرات 28 من يناير .. الا ولأن أسوان عموما ومركز نصر النوبة خاصة عانى الأمرين من هذا الفشل الأمنى الذريع للحكومات المتعاقبة وكذلك فشل المجلس العسكرى فى ادارة شئون البلاد فحتى الآن تعانى القرى النوبية ما بين انقطاع تام للاتصالات نتيجة لسرقة كابلات التليفونات أو سرقة أعمدة الكهرباء وآخرها سرقة نحاس مولدات رفع المياة من ترعة وادى النقرة الذى أدى لغرق قرية أبو سمبل .. قرى بكاملها محرومة من الاتصالات وعلى سبيل المثال قرية أدندان منذ 6 شهور وليس لديهم أى اتصالات أرضية نظرا لتكرار عملية السرقة المنظمة .. اخفاقات وفشل مستمر .. فض اعتصامات بالقوة والتستر على أمين شرطة قتل مراكبى بسلاحة الميرى .. استشهاد أحد أبناء قرية توشكى بالرصاص الحى وكان آخرها مقتل شاب من قرية السنقارى والمالكى على يد مسجل خطر حاول التعدى على ملكيتة الزراعية .. تعانى منطقة نصر النوبة من عصابات منظمة ومسلحة ومجهزة تماما لجميع عمليات السطو والسرقة تقوم بسرقة كابلات الكهرباء والأعمدة والاتصالات وتستولى على الأراض والملكيات الزراعية .. وبالطبع تقوم بقتل كل من تسول له نفسة اعتراض طريقهم .. وسط غياب مخزى وفاضح من الشرطة المدنية والعسكرية وتقاعس المحافظ والحاكم العسكرى عن آداء مهامهم ..هذا المحافظ الذى لا نعرف السر الغريب وراء الابقاء علية حتى الآن هذا المحافظ الذى تسبب فى أزمات جمة للوطن وعرض أمنه للخطر وكان أكثرها دموية أحداث الأحد الدامى المعروفة بأحداث ماسبيرو .
نعود الى غرق قرية أبو سمبل ..هذة العصابات قامت بسرقة أجزاء من مولدات رفع المياة بالترعة ( الترعة التى تسقى مزارع خاصة بالمدعو زكريا عزمى ) .. ما ادى الى تعطلها و تراكم المياة وارتفاع منسوبها وضغطها على أجزاء من الجسر الخرسانى الذى أدى الى حدوث شروخ فيه أدت الى تسرب بطئ للمياة تجاه القرية ثم ما لبث ان انهار الجسر وأغرق بيوتها .. كل هذا تم منذ الفجر وقام المواطنون بالإبلاغ وكان من الممكن حل المأساه قبل ان تحدث اذا تدخلت السلطات بسرعة ولكن السلطات كانت فى وادى والشعب فى واد .. ولم يتحرك المحافظ الا عصر اليوم بعد ان حدث ما حدث والأدهى ان اول تصريح له كان لطمأنة الناس ان القرية بعيدة تماما عن المعبد وان الآثار بخير .. وكأن البشر لا يساوون شيئا .. وكأننا لا نساوى حتى تصريح يطمئن الناس عن أرواحنا نحن نقدر تماما قيمة الآثار فهى آثارنا تربى أجدادنا فى وجودها وعرفوا وحفظوا قيمتها على مر السنين .. ولكن لا يقاس ثمن كل آثار مصر بظفر مواطن من شعبها .
بالطبع رفض الأهالى زيارة المحافظ وهو ما لا يلاموا علية أبدا بعد تقصيرة وفشلة فى ادارة الأزمة .. ولكن على من نلقى اللوم المحافظ أم المجلس .. فالمجلس العسكرى هو الذى أودى بنا الى هذة الحالة بعد ان فشل تماما فى ادارة امور البلاد وادارة الأزمات التى مرت بنا خلال عام مضى .. أهالى القرية كثيرا ما رفعوا مظالمهم وطالبوا بحلول لهذة المشاكل سواء المتعلقة بالترعة او الانفلات الامنى المتعمد ولكن قد أسمعت ان ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادى .
ندرك تماما اننا نعانى تحت وطأة الحكم العسكرى مثلنا مثل جميع المصريين وكذلك كنا جميعا قبل اندلاع شرارة الثورة ولكن اذا اختار الآخرين الصمت عن حقوقهم فهذا شأنهم وقد قررنا اننا لن نصمت أبدا عن حقوقنا .. الأمور مازالت تزداد سوءا يوما بعد يوم وعمليات السرقة المسلحة والمنظمة مستمرة والأجهزة الأمنية لا تحرك ساكنا .. بعد غرق القرية بأيام استولى مجموعة من البلطجية والعصابات مسلحة على اراض جمعية زراعية يملكها النوبيون وعندما تجمهروا امام القطاع العسكرى كان الرد من القيادة ( روحوا هاتوا اراضيكم احنا مش هنعمل حاجة لحد غير بعد الانتخابات )
الأدهى والأمر أن الأهالى اجتمعوا بمدير أمن أسوان .. والرواية من طرف الأستاذ فوزى جاير من قرية أبوسمبل .. اجتمع الأهالى بمدير الأمن وسلموه كشفا بأسامى وأماكن وقرى هؤلاء البلطجية والخارجين عن القانون على أمل ان يتم القبض عليهم .. ولكن كل ذلك لم يلق صدى لدى أجهزة الحكومة ومازال المجرمون يعيشون بحريتهم ومازالت المنطقة تعانى والأهالي لا يجدون أذنا صاغية .
لا نعرف ماهو المطلوب منا .. هل المطلوب أن تتقاعس الشرطة عن أداء واجبها ونتحمل نحن المسئولية.. هل سيكون الوضع مرض عندما نحمل السلاح لندافع عن أملاكنا وأرواحنا وممتلكات الدولة .. هل من الطبيعى ان تزيد رواتب ضباط الشرطة أكثر من 200% وهم جالسون فى مكاتبهم ؟؟!!! اذا كان هناك احد من المسئولين يملك ردا على هذة الأسئلة فليتفضل بالاجابة .
نعلم أن الآن الأمور استقرت بالقرية وعادت الامور الى أحسن مما كانت عليه.. ولكن الى متى سنصمت على هذة الطريقة الفاشلة فى ادارة الأزمات .. الى متى يجب على النوبيون تحمل العيش فى قرى التهجير بكل مساوئها فى حين انه لا يوجد مانع يمنع عودتهم الى مكانهم وقراهم التاريخية على ضفاف البحيرة الا الرفض السياسى وعدم وجود ارادة سياسية لحل هذه الأزمة.
القضية النوبية تعود لعام 1902 وان لم يكن قبل ذلك .. عندما تقرر بناء خزان أسوان ثم تلته التعليات وصولا الى ثلاثينيات القرن الماضى ثم بناء السد العالى فى الستينيات وحتى سبعينيات القرن الماضى .. سدود وخزانات تعود بالنفع على القطر كله .. ولكن يقابلها فى النوبة غرق وتهجير واجحاف وذل وتهميش .. قرانا وقبور أجدادنا التى غرقت أراضينا ونخيلنا الذى لم نكن نملك غيرة ذهب بغير رجعة .. والمقابل كان بخسا زهيدا .. تعويضات لا تساوى ربع القيمة الحقيقية للبيوت والأراضى والنخيل .. وقرى فى صحراء مقفرة بعيدة عن النيل شريان الحياة وعمادها بالنسبة للانسان النوبى كل هذا ولم تتكلف الدولة الا عناء انقاذ آثار النوبة .. وحتى تلك لم تلتفت لها الا بعد هب العالم اجمع لانقاذ تراث الانسانية .. حتى القرى التى تدفع ثمنها منظمة الفاو للدولة لاعادة توطين النوبيين .. يتم تسكين مواطنون من كفر الشيخ والبحيرة وسوهاج بها .. لا نمانع فكلها مصر ولكن .. لمن تكون الأولوية.. لمن تكون الاولوية .. لنا أصحاب الأرض والتضحية .. أم لغيرنا .. أم ان الدولة تريد أن تغير ديموغرافية المنطقة بما يشوبه خلخلة ديموغرافية ؟؟!! .. ام انها محاولة أخرى لافتعال أزمة بين أبناء الوطن ليتناحروا على أراضيهم وملكياتهم ؟؟!! حتى مشروع توشكى الفاشل الذى دشنه رئيس الوزراء الحالى .. بيعت أراضية للأجانب بأسعار زهيدة أهدرت مليارات من المال العام .. ألم يكن أولى أن يتملك النوبيون هذه الأراض بما يعود بالنفع على مصر ويحل قضية عالقة لأكثر من مائة عام !!!
حتى الآن لم يتسلم المتضررين تعويضاتهم المقررة .. بعد مرور 70 عاما على آخر تعلية لخزان أسوان و 40 عاما على بدء بناء السد العالى .. حتى الآن لم يتسلم المتضررين بيوتهم وأراضيهم .. عائلتى أنا شخصيا لم تتسلم كل تعويضاتها بعد ولا نعلم ما المطلوب منا لتشعر الدولة بنا وتعترف بحقوقنا .
تهجيرات وغرق .. حضارة منسية مرفوض الحديث عنها فى كتب التاريخ .. عرقية وثقافة اثنية لا يعلم عنها احد اى شئ .. تهميش وتجاهل واستهزاء وتعالى فى الاعلام الذى لم يجد ما يصف به النوبيون غير انهم خدم , كل هذا على مدار أكثر من 100 عام كل هذا ونحن صامتون .. نتحمل من أجل مصر الوطن الكبير الذى نعشقه كعشقنا لروحنا تحملنا اتهامات كثيرة من قبل باننا نسعى للانفصال وأننا نعمل على مخطط تقسيم مصر .. ومازالت هذة الاتهامات توجه لنا .. وتنال من وطنيتنا التى لن نبالغ اذا قلنا أنها فاقت وطنية أى فصيل .. ضحينا كثيرا ومازلنا .. ونؤكد ان رأب صدع مصر لن يكون الا من خلالنا .. وأبدا لن تؤتى مصر من قبلنا
أما وقد رأينا طريقة ادارة المجلس العسكرى للبلاد وتعمده اختلاق أزمات تودى بالوطن الى الهلاك .. أما وقد تأكدنا ووقر فى قلوبنا أن المجلس العسكرى لا يؤتمن على مصر بأى حال من الأحوال .. فان الدولة ليس أمامها خيار آخر .. قرانا فى التهجير لا تصلح .. ووادى كركر لا يصلح .. العودة حق ليس فىه تفاوض أو تنازل .. فقط كيفية العودة وطريقتها هى التى مطروحة للنقاش .. أما الآن وبعد كل هذة الأزمات وبعد الصبر والصمت والتحمل فالدولة ملزمة .. التزاما كاملا باعادة بناء قرى النوبة فى أماكنها الأصلية وبما تقتضية طبيعة منسوب المياة فى البحيرة .. وملزمة باعادة توطين النوبيين فيها التزاما تاما .. فكما انتزعت الدولة عند بناء السد والخزان منا ملكية 44 قرية بطول أكثر من 350 كيلومتر على جانبى نهر النيل.. عليها الآن أن تعيدنا الى 44 قرية على جانبى بحيرة النوبة وأن تتخلى عن كل خططها ومسكناتها التى لن تحل الوضع فقد أعلنت الحكومة مسبقا عن انشاء قرية أبو سمبل الجديدة وابريم الجديدة فى الظهير الصحراوى لمركز نصر النوبة مما يكلف الدولة الملايين .. نحن لانريد قرى فى نصر النوبة أو فى ظهيرة الصحراوى .. نريد قرانا على ضفاف البحيرة وكفى الدولة تبذيرا واسرافا واهدارا من أموال الشعب لما ليس فى صالحة ولا يريدة .
نعى تماما الظروف الحالية .. وندرك أننا قد لا نكون ممثلين لكل النوبيين ولكن هذة رؤيتنا للواقع .. وهذة فكرتنا فى الحل الذى طالما آثرنا ان نؤجلها الى حين ولكن .. لم يعد من الممكن التحمل بعد الآن .. قد يشاركنا غيرنا رؤيتنا وقد نتعاون سويا من أجل الوصول الى هذا الحل .. ولكننا نؤكد أننا ليس أمامنا أى مجال لتقديم أى تنازلات والتفاوض لن يكون الا على طريقة العودة نزولنا الى الشارع والميدان مرة أخرى أملا حتمى فثورتنا لم تكتمل بعد والنظام لم يسقط ...
تركيا تعيش الأن نهضة حقيقة بالفعل.. نهضة عمرها الظاهرى ما يقرب من 15 عام بقيادة حزب العدالة و التنمية الذى فاز فى اخر 3 أنتخابات برلمانية ويشغل زعيمه اردوغان منصب رئيس الوزراء فى هذه الدولة البرلمانية وهو امر لم يحدث فى تركيا منذ سقوط الخلافة و إعلان الجمهورية . واردوغان يواصل قصة نجاح بداها فى بلدية اسطنبول حيث تولى رئاستها واحدث تغيراً عظيماً فى مستوى الخدمات والطرق وتطورت على يده المدينة بشكل لا ينساه الأسطنبوليين .
بلدية اسطنبول والتى شهدت بروز نجم اردوغان
وطبقاً لرواية دليلنا الفلسطينى الجنسية والذى يعيش فى اسطنبول منذ اكثر من 15 عام ان بيوت اسطنبول كلها لم تكن تصلها المياه عبر الصنابير إلا مرة كل اسبوع ولمدة ساعتين فقط وذلك حتى عام 1998 . كما أنها كانت تعتبر المكان الأكثر فساداً فى العالم حيث كانت السرقة والمحسوبية والرشوة من الثوابت التى يجب التكيف معها . عطية دليلنا الفلسطينى يقول " الأن كل ذلك تبدل وتغير واستطاع اردوغان بالفعل القضاء على كثير جدا من مظاهر الفساد , لن أجزم انه لا يوجد الأن لصوص ولكن .. لص عن لص يفرق " كان ذلك تعبير الرجل المقيم فى اسطنبول بحيادية تامة .
اردوغان وحزب العدالة والتنمية لهم انجاز اعظم كثيرا من مجرد القضاء على كثير من مظاهر واسباب الفساد ... اردوغان وحزبه مستعيناً بنسبة مقاعده فى الجمعية الوطنية الكبرى " البرلمان التركى " أستطاع تغيير مواد تاريخية فى الدستور التركى ( بعيداً طبعاً عن المواد المقدسة .. الديمقراطية و الجمهورية والعلمانية ) و أستطاع قطع ذراع الجيش عن الدولة تماماً وأصبحت الدولة مدنية بحق - دعك الأن من هذا الهرى و الهزل الذى يحدث فى مصر عن معنى المدنية والذى تستدعيه ذاكرتك بمجرد ذكر كلمة دولة مدنية - ... ولنا عودة فى هذا
نعود لموضوعنا .. اقول ان اردوغان خاض معارك كثيرة وعسيرة فى صراعه مع الجنرالات انتهت بحسمها لصالحه وبألأصح لصالح دولته وشعبه
يقولون أن النهضة فى تركيا بدأت فى التشكل عندما بدأ إصلاح نظام التعليم والصحة اخر معاقل الجيش القوية فى بسط سيطرته على الدولة .. حيث خرجتا من تحت جناح الجيش وادارها المدنيين المنتخبون والمختارون بعناية وتجرد واحرزت البلاد تقدما كبيرا فى مستواهما على التوازى . يكفى القول ان جامعات تركيا الكبيرة لا تخرج من تصنيفات الجامعات الأبرز فى العالم واشهرهم جامعة اسطنبول . ويكفى القول أيضاً أن عدد المتقدمين لأمتحان الثانوية العامة التركية يبلغ 2 مليون طالب سنويا ينجح منهم 200 الف طالب فقط فى اجتياز هذه المرحلة للتدليل على صعوبة التعليم فى تركيا .. وبالسؤال عن مصير باقى الطلاب علمت انهم يعاد توزيعهم على التعليم الفنى والصناعى والتجارى والتقنى اما صفوة عقول تركيا من الطلبة الناجحون فى الثانوية العامة يتلحقون بالجامعات التركية الشهيرة المجانية للنعيم بمستوى تعليمها وتعدده و تنوعه ... طبعاً لا توجد فى تركيا جامعات خاصة هادفة للربح
الدين والنساء فى تركيا العلمانية
الشعب التركى مسلم سنى واقرب للصوفية فى غالبيته ... بالطبع توجد أقلية مسيحية ويهودية ولادينيين . تركيا يحكمها نظام علمانى واضح وصريح فى علمانيته كان يشوبه تطرف مقيت ضد الأسلام مثال منع ارتداء الحجاب فى الجامعات الحكومية وهذا فى رأيي لا يمت للعلمانية بصلة إلا المريض والمتطرف والمغلوط منها وهو استثناء لا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه طبقاً للقاعدة القانونية الشهيرة . ولكن يحسب ايضاً لاردوغان وحزبه نجاحهم فى تهذيب وتحجيم تلك السياسة المتطرفة ووضعها فى اطارها الصحيح بما يخدم المجتمع المعتدل والوسطى فى معظمه . الدعاية الجاهلة و الظالمة عن تركيا العلمانية قد تجعلنا لا نصدق انك تستطيع بسهولة سماع الأذان فى شوارع تركيا " كنت اقيم فى الطابق السادس فى فندق يقع فى منطقة تجارية ومليئة بالنوادى الليلة ويغلب عليها الطابع الغربى وكنت أسمع بوضوح الأذان 5 مرات يومياً من كذا مسجد قريب" المساجد لا يوجد اكثر منها فى اسطنبول وبالطبع لم أرى أفخم ولا أعظم ولا أنظف من مساجد تركيا ورأيت تحقيقاً للنظافة من الأيمان ورأيت نظافة تليق بمسلمين بالفعل ... لم أر بالطبع ذقون اوجلاليب قصيرة ... واحمد الله ان تركيا إلى الأن عصية على التوغل المقيت للحركات السلفية والوهابية المتمتعة بالتمويل الصحرواى وادعوه ان تظل عصية للأبد ... الأسطنبوليين يملاؤن المساجد فى اوقات الصلاة الخمسة وفى نفس الوقت يحتلون مكانة متميزة فى المواطنيين الأعلى دخلاً فى العالم . وكما يواظبون على صومهم ونحرهم نراهم متمسكين بجعل مدينتهم الوجهة السياحية الأحلى والأجمل والأكثر جذباً للسياح من محتلف دول العالم .
قد نصطدم أيضاً بحقيقة ان 90% من نساء تركيا محجبات .. عيناك لن ترى فرقاً بين نساء تركيا ونساء مصر من حيث انتشار الحجاب , ولكن نساء تركيا موحدون فى شكل حجابهم وكأنهم يطبقون قانوناً لتوحيد شكل الحجاب ... حجاب بسيط بدون تكلف
لن ترى للأسف هذا التنوع الفظيع من حجاب لأسدال لنقاب لملفحة إلى أخره من الأختراعات .... هو حجاب يغطى الشعر وفقط
اسطنبول ظلت لعقود كثيرة ضحية لموجات من التغريب قاسية ومستمرة .. اثرت بالطبع على كثير من الطبائع والتقاليد والعادات لأسر عثمانية كثيرة ووابرز من نقد مظاهر التغريب هو اورهان باموق روائى تركيا الشهير الحائز على نوبل وابن اسطنبول وعاشقها الأول ولكن مع كل ذلك يبقى الأسطنبوليين محتفظين بكثير من الثوابت والأساسيات بما يقيهم شرالتمزق فى صراع التغريب و الهوية التاريخية لوطنهم
يقول باموق " فى اسطنبول ... الهزيمة وانهيار الدولة حوّلت المدينة إلى مكان ناقص .. لم تعش المدينة التغريب الذى تشير إليه اعلانات الججران و اسماء الدكاكين والمحلات والشركات المأخوذة أغلبها من الفرنسية والأنجليزية بقدر ما تتحدث عنه ابداً . كما أن المدينة لم تعش الحياة التقليدية التى تشير إليها الجوامع وكثرة المأذن والأذان و التاريخ ... كل شىء ناقص و غير كاف وغير مكتمل "
اورهان باموق فى كتابه اسطنبول الذكريات والمدينة " سيرة ذاتية "
تحتار كثيراً عندما تبدأ فى الحكى عن أسطنبول , اسطنبول التى تبهرك بوجهها الحداثى والحضارى وفى نفس الوقت التى تحمل حزن انهيار أمبراطورية سادت العالم فترة من الزمن ليست بالقصيرة . تحتار هل تحكى عن اسطنبول التى تحمل على ظهرها تاريخ التاريخ منذ العهد البيزنطى عندما كانت "القسطنطينية "عاصمة الأمبراطورية البيزنطية أم رحلتها مع الفتح العثمانى وتحولها إلى إسلام بول ثم الأستانة ثم اسطنبول فى عز ايام الخلافة الاسلامية , إن شوارع اسطنبول المرصوفة بالحجارة تستنشق فيها بوضوح نسمات عبق تاريخ فتوحات ومعارك وغزوات وحصار وهزائم جيوش وانصارات وسيطرة ونفوذ لا حد لها .
ام تنتقل إلى اسطنبول المدينة السياحية الأشهر بخليجها الرائع وتلالها الشهيرة وشواطئها الكثيرة المختلفة الطعم واللون .
تحتار ... هل تحكى عن اسطنبول مدينة التسوق النموذجية الأشهر بمراكزها التجارية الضخمة و تزاحم اشهر العلامات التجارية فى ميادينها وشوارعها . أم تحكى عن اسطنبول ذات المطبخ الخرافى أعتقد ان تذوق الأكل التركى فقط هو سبب وجيه جداً لزيارة تركيا
كل ما سبق يرسم لوحة شديدة الأبهار لبلد أسمه تركيا يقدم خلاصة تجربته وايداعه فى برواز أنيق ورائع أسمه اسطنبول .
الأسطنبوليين وهو مصطلح مشهور فى تركيا ويطلق على أهل اسطنبول الذين نتحدر غالبيتهم من نخبة العائلات العثمانية العريقة وحاشيتهم التى عاشت فى ظل الأمبراطورية القوية . اسطنبول تعنى لهم الماء بالنسبة للسمك لا يستطيعون ولا يرغبون فى العيش خارجها ...
سائق الأتوبيس السياحى الفاخر الذى أقلنا فى رحلة مغادرتنا من الفندق للمطار قال لى ببساطة "هنا فى اسطنبول "عندما سألته اى بلد تتمنى ان تعيش فيه .. باريس ؟؟ لندن ؟؟ امريكا ؟؟ استراليا ؟؟ . قالها وهو قانع جدا و مطمئن جدا
لا اعرف كم مصرى سنسأله نفس السؤال ويرد بنفس الاجابة .. !!
يقول اهل اسطنبول عن مدينتهم .. أنه لو كانت للدنيا عاصمة واحدة لكانت اسطنبول . هم شديدى الفخر بمدينتهم . هى فعلا تملك مقومات عاصمة العالم من حيث موقعها الجغرافى فهى مدينة يخترقها خليج البوسفور الواصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة ويقسمها هذا الخليج إلى جزءين اسطنبول الأسيوية واسطنبول الأوربية واسطنبول الأوربية ايضاَ يقسمها خليج القرن الذهبى إلى اسطنبول الأوربية القديمة واسطنبول الأوربية الحديثة ويعيش فيها حوالى 12 مليون تركى وكما ذكرت هم شديدى الفخر بمدينتهم و لغتهم أيضاً , الأتراك فى الغالبية لا يتحدثون ولا يرغبون فى التحدث بأى لغة غير التركية .. يوجد القليل يفهم ويتحدث العربية ولكنه لا يستخدمها وكذلك الأنجليزية .. غير متداولة كثيراً هناك . هم لا يفخرون بلغتهم ومدينتهم فقط .. هناك فى تركيا أمرين يصلا لمرتبة القداسة .. علم الجمهورية و مصطفى كمال اتاتورك . بسهولة جداً تكتشف وانتا تتحرك فى اسطنبول قيمة ومكانة العلم فى نفوس الأتراك . تراه على كل الشرفات وتراه على واجهات المساجد والشركات والبنوك تراه معلق على السيارات العامة والخاصة , تراه مزهوا نظيفاً لامعاً براقاً , الاهتمام بالعلم التركى يفوق الوصف والتعبير
ومصطفى كمال اتاتورك ايضا من المقدسات .. صورته لن تغيب عن عينيك مهما حاولت وتعمدت الهروب .. انها تلاحقك فى الميادين والشوارع وعلى المبانى وعلى جوانب الكبارى . هم يقدسونه فعلاً وينسبون الفضل إليه فى كل ما وصلوا إليه الأن , الأساءة بالقول لمصطفى كمال اتاتورك هى فعل مُجرّم فى القانون التركى يعاقب مرتكبه بالحبس و سرير اتاتورك الذى مات عليه وغرفه نومه التى مازالت بحالتها فى قصر دولمة باهتشاه على ضفاف البوسفور تحولوا لمزار سياحى شهير جدا فى اسطنبول ولا ينال ذلك من فخرهم الشديد ايضاً بامبراطوريتهم العثمانية وعهد الخلافة حيث يتطوع اى تركى بالقول " انا عثمانلى " عندما تسأله عن رايه فى عهد الخلافة الأسلامية والدولة العثمانية عموماً .. ولكنهم يرغبوا فى الأثنين عصر الدولة المزدهرة والخلافة العثمانية والتى تضم إلى جوارها العديد من الدول (نفس السائق عندما ذكرت له أنى من مصر اجاب فرحاً مصر اختنا الصغيرة وتابعة لنا !! ) وأيضاً الجمهورية الجديدة وماصاحبها من تغريب أقسى وافدح مما تم فى عصور تركيا السابقة والتى خلصتهم من كل أثام ومفاسد السلطنة فى اخر ايامها
بمناسبة قصر دولمة باهتشاه ( الحديقة المحشية )... هو احد عجائب الدنيا فى رأيى .. قصر باذخ الترف والفخامة والثراء والإبهار تدخله شخص وتخرج شخص اخر من كم ما رأيت من أبداعات واساطير داخل القصر الفخيم . القصر بناه السلطان عبد المجيد الأول وكان بناءه نذير بأفول الامبراطورية حيث تكلف ما يعادل 35 طنِ من الذهب. وأستخدمت أربعة عشر طناً من الذهب ضمن بناء القصر لتذهيب سقوف القصرِ وذلك فى عز ازمة الامبراطورية وانتشار الفقر و الجوع فى ربوعها حيث حذره وزرائه انه ستقوم ثورة جياع فى البلاد حيال قيامه بالعيش فى قصر مثل هذا .. وفعلا لم يسكنه أبداً حيث أنهارت الأمبراطورية فعلاً ليدخله مصطفى كمال اتاتورك ويحكم تركيا من خلاله إلى ان توفى فيه ويقال أن ساعة غرفة نومه كانت تشير للتاسعة وخمس دقائق صباحاُ وقت وفاته وحزناً عليه لم يتحرك عقرب الساعة إلى اليوم من ساعتها ... رأيت هذه الساعة المبهرة
قصر دولمة باهتشاه
اسطنبول عاصمة تركيا الثقافية والتجارية والسياحية . اما أنقرة فهى العاصمة السياسية ويوجد بها البرلمان ومقر رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ومعظم الوزارات والسفارات بطبيعة الحال .. اختيار أنقرة يرجع لمصطفى كمال اتاتورك حيث رأى انه من الخطورة اختيار عاصمة تقع على طرف البلاد وتصبح عرضة للسقوط فى حالة اى غزو خارجى بما يعنى سقوط الدولة وبذلك انتقلت العاصمة الرسمية من اسطنبول إلى أنقرة
وللحديث بقية