الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

فى اسطنبول كانت لنا أيام ... 1


تحتار كثيراً عندما تبدأ فى الحكى عن أسطنبول , اسطنبول التى تبهرك بوجهها الحداثى والحضارى وفى نفس الوقت التى تحمل حزن انهيار أمبراطورية سادت العالم فترة من الزمن ليست بالقصيرة . تحتار هل تحكى عن اسطنبول التى تحمل على ظهرها تاريخ التاريخ منذ العهد البيزنطى عندما كانت  "القسطنطينية "عاصمة الأمبراطورية البيزنطية  أم رحلتها مع الفتح العثمانى وتحولها إلى إسلام بول ثم الأستانة ثم اسطنبول  فى عز ايام الخلافة الاسلامية , إن شوارع اسطنبول المرصوفة بالحجارة تستنشق فيها بوضوح نسمات عبق تاريخ فتوحات ومعارك وغزوات وحصار  وهزائم جيوش وانصارات وسيطرة ونفوذ لا حد لها .
ام تنتقل إلى اسطنبول المدينة السياحية الأشهر بخليجها الرائع وتلالها الشهيرة وشواطئها الكثيرة المختلفة الطعم واللون .
تحتار ... هل تحكى عن اسطنبول مدينة التسوق النموذجية الأشهر بمراكزها التجارية الضخمة و تزاحم اشهر العلامات التجارية فى ميادينها وشوارعها . أم تحكى عن اسطنبول ذات المطبخ الخرافى أعتقد ان تذوق الأكل التركى فقط هو سبب وجيه جداً لزيارة تركيا

كل ما سبق يرسم لوحة شديدة الأبهار لبلد أسمه تركيا يقدم خلاصة تجربته وايداعه فى برواز أنيق ورائع أسمه اسطنبول .

 الأسطنبوليين وهو مصطلح مشهور فى تركيا ويطلق على أهل اسطنبول الذين نتحدر غالبيتهم من نخبة العائلات العثمانية العريقة  وحاشيتهم  التى عاشت فى ظل الأمبراطورية القوية . اسطنبول تعنى لهم الماء بالنسبة للسمك لا يستطيعون ولا يرغبون فى العيش خارجها ...
سائق الأتوبيس السياحى الفاخر الذى أقلنا فى رحلة مغادرتنا من الفندق للمطار قال لى ببساطة "هنا فى اسطنبول "عندما سألته اى بلد تتمنى ان تعيش فيه .. باريس ؟؟ لندن ؟؟ امريكا ؟؟ استراليا ؟؟ . قالها وهو قانع جدا و مطمئن جدا
لا اعرف كم مصرى سنسأله نفس السؤال ويرد بنفس الاجابة .. !!

يقول اهل اسطنبول عن مدينتهم .. أنه لو كانت للدنيا عاصمة واحدة لكانت اسطنبول . هم شديدى الفخر بمدينتهم . هى فعلا تملك مقومات عاصمة العالم من حيث موقعها الجغرافى فهى مدينة يخترقها خليج البوسفور الواصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة  ويقسمها هذا الخليج إلى جزءين اسطنبول الأسيوية واسطنبول الأوربية واسطنبول الأوربية ايضاَ يقسمها خليج القرن الذهبى إلى اسطنبول الأوربية القديمة واسطنبول الأوربية الحديثة ويعيش فيها حوالى 12 مليون تركى وكما ذكرت هم شديدى الفخر بمدينتهم و لغتهم أيضاً , الأتراك فى الغالبية لا يتحدثون ولا يرغبون فى التحدث بأى لغة غير التركية .. يوجد القليل يفهم ويتحدث العربية ولكنه لا يستخدمها وكذلك الأنجليزية .. غير متداولة كثيراً هناك . هم لا يفخرون بلغتهم ومدينتهم فقط .. هناك فى تركيا أمرين يصلا لمرتبة القداسة .. علم الجمهورية و مصطفى كمال اتاتورك . بسهولة جداً تكتشف وانتا تتحرك فى اسطنبول قيمة ومكانة العلم فى نفوس الأتراك . تراه على كل الشرفات وتراه على واجهات المساجد والشركات والبنوك تراه معلق على السيارات العامة والخاصة , تراه مزهوا نظيفاً لامعاً براقاً , الاهتمام بالعلم التركى يفوق الوصف والتعبير
ومصطفى كمال اتاتورك ايضا من المقدسات .. صورته لن تغيب عن عينيك مهما حاولت وتعمدت الهروب .. انها تلاحقك فى الميادين والشوارع وعلى المبانى وعلى جوانب الكبارى . هم يقدسونه فعلاً وينسبون الفضل إليه فى كل ما وصلوا إليه الأن , الأساءة بالقول لمصطفى كمال اتاتورك هى فعل مُجرّم فى القانون التركى يعاقب مرتكبه بالحبس  و سرير اتاتورك  الذى مات عليه وغرفه نومه التى مازالت بحالتها فى قصر دولمة باهتشاه على ضفاف البوسفور تحولوا لمزار سياحى شهير جدا فى اسطنبول ولا ينال ذلك من فخرهم الشديد ايضاً بامبراطوريتهم العثمانية وعهد الخلافة حيث يتطوع اى تركى بالقول " انا عثمانلى " عندما تسأله عن رايه فى عهد الخلافة الأسلامية والدولة العثمانية عموماً .. ولكنهم يرغبوا فى الأثنين عصر الدولة المزدهرة والخلافة العثمانية والتى تضم إلى جوارها العديد من الدول  (نفس السائق عندما ذكرت له أنى من مصر اجاب فرحاً مصر اختنا الصغيرة وتابعة لنا !! ) وأيضاً الجمهورية الجديدة  وماصاحبها من تغريب أقسى وافدح مما تم فى عصور تركيا السابقة والتى خلصتهم من كل أثام ومفاسد السلطنة فى اخر ايامها

بمناسبة قصر دولمة باهتشاه ( الحديقة المحشية )... هو احد عجائب الدنيا فى رأيى .. قصر باذخ الترف والفخامة والثراء والإبهار تدخله شخص وتخرج شخص اخر من كم ما رأيت من أبداعات واساطير داخل القصر الفخيم . القصر بناه السلطان عبد المجيد الأول وكان بناءه نذير بأفول الامبراطورية حيث تكلف ما يعادل 35 طنِ من الذهب. وأستخدمت أربعة عشر طناً من الذهب ضمن بناء القصر لتذهيب سقوف القصرِ وذلك فى عز ازمة الامبراطورية وانتشار الفقر و الجوع فى ربوعها حيث حذره وزرائه انه ستقوم ثورة جياع فى البلاد حيال قيامه بالعيش فى قصر مثل هذا .. وفعلا لم يسكنه أبداً حيث أنهارت الأمبراطورية فعلاً ليدخله مصطفى كمال اتاتورك ويحكم تركيا من خلاله إلى ان توفى فيه ويقال أن ساعة غرفة نومه كانت تشير للتاسعة وخمس دقائق صباحاُ وقت وفاته وحزناً عليه لم يتحرك عقرب الساعة إلى اليوم من ساعتها ... رأيت هذه الساعة المبهرة


قصر دولمة باهتشاه
اسطنبول عاصمة تركيا الثقافية والتجارية والسياحية . اما أنقرة فهى العاصمة السياسية ويوجد بها البرلمان ومقر رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ومعظم الوزارات والسفارات بطبيعة الحال .. اختيار أنقرة يرجع لمصطفى كمال اتاتورك حيث رأى انه من الخطورة اختيار عاصمة تقع على طرف البلاد وتصبح عرضة للسقوط فى حالة اى غزو خارجى بما يعنى سقوط الدولة وبذلك انتقلت العاصمة الرسمية من اسطنبول إلى أنقرة
وللحديث بقية

مصطفى الشوربجى
لالالى - اسطنبول
فى 4/11/2011

الخميس، 1 ديسمبر 2011

صالون بيتنا


الصالون فى بيوتنا المصرية له مكانة عظمى , على طول مترتب ونضيف وجاهز لأستقبال ناس مش عارفين هيجيوا أمتى

 الصالون حاجة والشقة حاجة تانية , صالون بيتنا قطعة من الجنة اما باقى الشقة عبارة عن كراكيب وعيال صغيرة وزحمة واكل واقع

على الأرض وصوت عالى ودبان

كان تملى بيفصل بين الأتنين ستارة ثقيلة تصنع حد فاصل بين المزيف والحقيقى

 الصالون المزيف بنضافته وترتيبه والبيت الحقيقى بزحمته وفقره وكركبته ...

دايما كان عندى شعور مش لطيف تجاه الصالون . مش بحس انه حتة من شقتنا اه الصالون جميل وهادى ونضيف ومترتب بس مش

دى الحقيقة الحقيقة دايماً ورا الستارة

جالنا ضيف تقيل حبتين اول كام يوم كنا فرحانيين بيه وبنقدم واجب الضيافة كما قال الكتاب ولما فضل بدل اليوم 2 و3 و4 بدأنا نزهق

ونسأل نفسنا هو هيمشى امتى وهو ولا هنا ولا  حاسس بأى حاجة ولا قادر يفهم اننا زهقنا منه .. او فاهم بس مش همه ومقضيها

طناش  ومع الوقت وصلنا لأخر صبرنا منه وقررنا نقوله كفاية كده وعملنا دوشة كبيرة وطردناه وفى اللحظة دى الستارة اللى فصلت

بيتنا عن الصالون اتفتحت والحمد لله الضيف مشى بس الستارة اتفتحت وأتحول الصالون لجزء من الشقة وبقى اخر كركبة وفوضى

وبقى جزء من الشقة  فعلياً مش زى زمان

مش لازم نتكسف من نفسنا أومن أمراضنا و وصول الكركبة والدوشة والعيال لأوضة الصالون حاجة صحية عشان نعالج امراضنا

صح ماهو لازم برضه نعترف اننا مش منظمين ومش نضاف وفى عندنا حاجات كتير وحشة  

انا حاسس اننا هنقدر نخلى الشقة كلها صالون ومش هنستقبل الضيوف فى الصالون بس ...

لا شقتنا كلها هتبقى صالون 

الأحد، 25 سبتمبر 2011

خواطر سكندرية ...


 اســكـنـدريـــة ...
بروحــها و ريحتها و أسامى مناطقها و محلاتها و تضاريس شوارعها  وتاكسياتها الصفرا فى اسود ووشوش ناسها و بحرها
حــــالة تانية
لما تلمس الكوزموبوليتان بأيدك ...


فى منطقة أبو قير القديمة , و تحت لافتة الجمعية التعاونية للعاملين بشركة التمساح لبناء السفن  , وحيث ان كل البيوت ثلاثة ادوار على الأكثر بخلاف جل عمارات اسكندرية التى تناطح الأن ناطحات سحاب نيويورك بقباحة منقطعة النظير , وحيث البحر لأول مرة مفتوح مجانا للأهالي يعنى اي حد يجيب كرسي ويقعد على الشاطىء  , ووسط مطاعم الأسماك المصرية الشكل والأسم وحيث ان وشوش الناس كلها بسيطة ومتشابهة لحد بعيد 
وسط كل هذا وذاك 
تأكدت تماما أنى سافرت لمصر الستينيات ولكن .... 
ثمة إعلان مطبوع على أحد الجدران  " حزب النور السلفي ...... دولة عصرية بهوية إسلامية " 


جالسا على كرسي بحر خشبي ويكاد الموج وهو يمارس وظيفته الأبدية و الوحيدة يلامس قدمي , سارحا مستمتعاً بلانهائية البحر فى أمتداده السرمدى إلى أن يصل لملامسة السحاب , مستغلاً هذا المشهد الفردوسى التكوين فى شحن طاقة الروح والبصر ومنتظرا حتى تعلن نفسي كفايتها أو هكذا أظن . 
حتى جاءت البيبسى الإمبريالية التى ما أن بدأت فى شربها و إمتلأ بيت الداء حتى تعطلت كل مراكز تذوق الجمال فى نفسي وتوقفت تماماً عن أداء مهامها المقدسة 


جامع سيدي بشر , فندق رمادا اللي بقى اسمه مارتيم , قهوة ابو عجيلة اللي مش بتشغل غير فيروز و اللى مش بينقطع من عندها الهوا والطرواة فى أى وقت من السنة , و شيشة المعسل اللى مفيش زيها مثيل على الكوكب , وبيتسيريا حسان لما تبقى عاوز تفطر وتتغدى وتتعشى فطير بالجبنة الرومى , وسنترال سانتا ماريا , وأخيراً الجامع الصغير المكيف الفخم جداً وتخيل لما يكون على كل حوض وضوء صابونة دوف وبدى لوشن جيليت و أمام الجامع يستقبلك بعد الوضوء مبتسماً و فى أيده ازازة المسك وبيقولك خد عطّر نفسك وهدومك ( الكلام ده بيحصل فعلاً ) , لما تصلى وانت فى قمة السلام النفسى وراحة البال وتحس انك لو مُتّ دلوقتى هاتدخل الجنة ... 
كل دى ذكريات عمرها دلوقتى اكتر من 10 سنين ولسه قادر أعيشها بنفس تفاصيلها لحد النهاردة 
.... من على قهوة ابو عجيلة الساعة 4.30 العصر وفــ ايدى رواية الذكريات الصغيرة لساراماجو وبصحبة أحلى شيشة معسل فى الدنيا و فيروز بتنادى وتقول سألتك حبيبى ....

. 

على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط و بصحبة سيجارة لايك سترايك و برفقة كتاب مأزق الحركة الشيوعية - الجذور التاريخية والخيارات المستقبلية 
عايش حالة فريدة من الأستمتاع 


عن تجربة ...
شىء مثير و ممتع جداً أنك تتفرج على فيلم عربى قديم من غير صوت ... صورة بس 
منتظراً انا طبق العشاء فى مطعم الأيليت بمحطة الرمل 


                                                                                                                            مصطفى الشوربجى
                                                                                                                      الأسكندرية فى سبتمبر 2011

الأحد، 28 أغسطس 2011

نفسى أروح كسلا ..

                           بين نهرالقاش وجبل التاكا تنام كسلا 


أول ما يكحِّل العين وهي تشارف على مدينة كسلا ، سحابةٌ ترسل أذيالها على نواصي جبل التاكا الثلاث ، لا تبرح مكانها وتظل تدور حولها وهي تغمض عينيها خجلا ، وتجود بدمعها أمطاراً ناعمة تغسل حجارة الجبل الملساء فتكتب للعشاق صفحة غرامٍ أخرى ، وهم يخطون في وداعةٍ عبر مساربه الكثيرة لبلوغ إحدى قممه ، وجبل التاكا أكثر جبل سوداني رسم لنفسه هالة الحب والعشق في نفوس زائريه – يقاسمه جبل مرة وجبل البركل بعض العبق – في بلد تفاخر بسهولها الممتدة كأوراق ( الفلسكاب ) البيضاء تنتظر فقط أقلام الترابلة لكتابة الجهد والعرق حتى يوقِّع الماء عليها مزارعاً تسد عين الشمس وشتولاً تخيط المساحات بإبر الخضرة والعبير ، كان الصبية قديما حين كانت المدارس ، وقبل أن ترحل مع مواسم الأمل ، يحضرون ( فتايل ) الدواء الفارغة لصرف الحبر يوم السبت من كل أسبوع – على أيام قلم الشطَّافة - والآن يحضر المزارعون ذات الفتايل لصرف ( الجزلين ) لتحبير تلك الأوراق الممتدة لذا فإن كتابة الترابلة لا تزال على رأس الورقة فقط ، وما بين الكلمة والكلمة ينفضون القلم عدة مرات في زمنٍ مزَّقتنا فيه الفواتير - وأهل كسلا يعرفون أن من تقوده قدماه إلى إحدى القمم الثلاث ، وأكثرها دنوُّاً من الأرض ويشرب من نبع (توتيل) الذي يخالف قوانين الفصول ويظل كما يشتهيه الزائرون ، يتفجّر عيوناً تغسل الحجارة ، وناعم الرمل ، والخواطر المسروقة بروعة المشهد ، لا بدّ وأن يعود إليه ثانيةً ، وكثيرٌ من الشواهد تؤيد أساطيرهم هذه بعودة الزوَّار ولو بعد حين ، يبدو الجبل في ثلاث قممٍ سامقة تتسابق فيما بينها لتمنح الوجود لوحةً نادرة الجمال ، والجبل كله عبارة عن صخرةٍ كبيرة ، لامعة ، مغسولة ، تتخلل تعرجاتها شجيرات صغيرة ، يبدو الندى على أوراقها كسبحةٍ نثرتها الشمس على هامة الجبل البيضاء وسالت بغير نظام على وجوه الشجيرات وسكنت ، لا تكاد تغيب طيلة أشهر السنة وتتجمل في الخريف مع تفتق الزهور ومواسم الشعر والخصب والإلهام ، تقف كل الفصول تغني للياليه الأنيقة ...
أرجعيلن
يرجع الطير لي غصونك ويرجع الدم للأغاني
ينجبر خاطر الليالي الشايلة آهاتك معاني
ينطلق ضهر أغنياتنا ونملا بيك الكون أماني
رجعي الضو للمداين… ولون غناك لأوتار سجينة
للعصافير ريش جناحا ……… … وهدهدي الفرحة الحزينة
وركّي فوق لمة غمايم …………… قمرة في كتف المدينة
وهي – قمم الجبل الثلاث - أقرب منظرٍ من كل زوايا المدينة وأقرب عشقٍ من كل ملامحها ، وأبعد أثراً في نفوس زائريها ، وكانت سبباً في حالات الوجد التي زينت جيد أغنيات أهل السودان ، والكل يردد ( حبيت عشانك كسلا وخليت دياري عشانك … وعشقت أرض التاكا الشاربة من ريحانك ) وكل ما مرّ في طرقاتها عبر الذاكرة أهلها وهم يهوِّمون في غربة العاصمة كلما اهتاجت بداخلهم أشواق القهوة والشعر الكثيف الذي يخفي ( الخلال ) على طوله ويفيض ودكاً ورائحة ( كاسلا .. كاسلا .. أنا قلبي سافرا ) ، وثمار المانجو في كسلا ومنذ زمان بعيد أروع وصفٍ لمحبوبةٍ تسكن جراح وحروف مغنيها ، وظلّت حدائقها الغنّاء تبالغ في زيّها الأخضر الجميل الموشّى بيانع الزهر وناضج الثمر والمطرّز برائع الورد ، حتى اصبح الناس يفتتنون ببصلها – ولبصل كسلا سمعةٌ نافذة – ناهيك عن برتقالها و( والموز أبو نقطة ) وأنواع المانجو والبلح التي تحرج بقية الأمصار و الأرياف ، تنام الحدائق على طول المدينة وعرضها مفتوحة العينين والورود ، وتصحو على خيوط الندى يرسم عالمه على ثياب النساء وجلابيب الرجال وهم يبدءون موسم القطف صباحاً قبل الدخول للسوق التي لا تعرف لها مدخلاً أو مخرجا ، كلها أكوام الفاكهة وشلالات عطر البرتقال والجوافة بلونيها وحمرة القريب فروت المميزة واصفرار المانجو ذات الأسماء والروائح والطعم المختلف ، تدهش الزائر حين يؤتى إليه بها متشابهة ، والسوق ضاجة الحركة تبدو عربات ( الكارو ) الصغيرة تجرُّها الخيول معطونةٌ بالرائحة واللون وتداخل الطعم ، بعضها ارتكز على جدران دكاكين ( غرب القاش ) الصغيرة يفعل الزمن فعله في طينها القديم ، نادرا ما ترى الطوب الأحمر ، في انتظار ذهابٍ قريب للحقل المتورّد بأكوام الفاكهة وأصوات النساء ، وبعضها انشغل مع خيولها في التلفت صوب نداءات الباعة المنتشرين ، تصدر عجلاتها أزيزاً دائماً ، ريثما يفرغ الحمّالون المقاطف من على ظهرها ، وأصوات الباعة موسيقى أخرى تغمض الأجفان وتفتحها على عوالم جديدة للروح مفسحةً المجال أمام وجد الصوفيين الذين يقف بينهم وعلى مقربة من الجبل الملهم (ضريح السيد الحسن) ، سقفه السماء ، يقولون أن غارةً (طليانية) أخذت سقفه في ما مضى ولكن الأنصار أيضاً خلوّ بينه وبين السماء دونما يقصدون ، وظل يطالع النجوم من صحن داره ويتوق لسحبٍ تغازله دون أن تبلل (بروشه) الناعمة ، يغسل بدموع مريديه ، أحزانهم وكل طوارق حياتهم.
وكسلا التي تحنو على الريف بداخلها حنواً عميقاً وهو يهب سوقها حياة الجنان وروعتها ، تبدو كمدينة وسيمة الشوارع والأبنية ، أنيقة العمران ، رشيقة حركة المواصلات ، تصطف على خطوط مواقفها الكثيرة حافلات الركاب الصغيرة ( كانوا يسمونها البرينسات ) وباصات الضواحي بأبواقها المميزة ، وتطل على نهرها العظيم الحدائق دائمة الشباب ، تكتب مع أرتال المحبين صفحات الغرام الزاهية ، وقاعاتٍ حكومية وشعبية تضفي على المكان المخضر ألوان أخرى ، والنهر يرقد على شاطئيه الخضر يتأمل الجسر المعلّق فوقه تمرّ عبره حكايات المدينة وسنين وروايات تاريخها الطويل ، والأحلام التي تحيط بمستقبلها ، وهو يضع يداً على يد تحت رأسه ويقرأ كتاب ماضيه ، وعلى مقربةٍ من الجسر الجديد يتأرجح الجسر القديم متأوهاً مع كل حركةٍ على أيام مجده الغابرة والنائمة في أذهان رفاق مشواره من أهل المدينة ، ومتألماً من وقع الخطا على ضلوعه الواهنة يستند فقط على عناية الله.
ومدينة كسلا من المدن السودانية الفريدة التي اختلط أهلها من قبائل الشرق الكثيرة مع قبائل السودان متباينة السحن واللسان والثقافات متفقة السماحة والطيبة وحلو الجوار ، وكذلك تسكنها مجموعات كبيرة من الجاليات ، أصبحت جزءً من تكوينها الإثني والثقافي ، مجموعات كبيرة جاءت من الهند وجعلت لنفسها حياً منفصلاً ( الحي الهندي ) لا يزال يُقفل ليلاً ويُفتح نهاراً ، ينغلق على ذاته بمدارسه وأنديته بأبواب وجدران كبيرة ولكنها ظلت تسرب عبر سمائها المفتوح ثقافتها وتستشف تراث وحضارة المدينة الجميلة ، وتتفاعل معها بذات روح أهلها ، تميزهم شعور نسائهم شديدة السواد والطول ، ولثغة اللسان الآسيوي ، ومحلات بيع القماش والعطور التي تملأ السوق ، والموتوسيكلات التي برعوا في قيادتها ، يذوبون في سودانية الطبع لا يملكون تغيير سحنات آسيا ولكن نهر القاش بدأ يعمل على تغيير لون شعر أبنائهم ويكسوه بحمرة رقيقة ، لسانهم أسلمته الليالي إلى اللهجات المحلية لا يذكر من أمر (الأوردو) وصاحباتها شيئا ، وكذلك تسكنها الجالية الأثيوبية والإرترية تتفق معها في كل شئ عدا اللسان ورويداً رويداً تزول غربته ، وينتمون لكسلا المدينة الدافئة كامل الانتماء.
ومن أشهر أحيائها حي الختمية تسكنه قبائل الشايقية والجعليين والهدندوة ، يبدو كسودانٍ مصغر يقف خلفه الجبل بشموخه ونسمات فضائه العريض متأملاً في ملامح المدينة التي تنام وتصحو بين يديه وتتقافز القرود على أعلى قممه الثلاث ملاعبةً الأطفال والشباب ، متطلعة إلى تجوالٍ قريب بين حدائق الموز المنتشرة على جنبات نهر القاش المتمرد ، تحوّله ليالي الصيف إلى رمالٍ تكسو الرمال وذكرياتٍ تحكي الأمس والماضي وضفافٍ تلعق الصبر في انتظار قطرات ماء تبلل حلقها الجديب ، ولكنه وحين الخريف يأتي مارداً يسوق أمامه عنفوان الشباب وتمرده ويقضي دائماً على مساكن حي غرب القاش الصغيرة ليمنحهم القدرة على خلق بيوت أوسع قد يمحو آثارها حين عودته القادمة ، وما بين نومته وهياج صحوه تخلق كسلا حياةً كاملة الجمال والخضرة تلتقي كلها عند شاطئيه عصراً ، صغاراً وكباراً ، وللمحبين على رماله أسفارٌ من الوله والشوق ...
على الرملِ
كان القاش يبذر أغنيات الحبِّ في الأحداق
فتنبت وردةً حمراءَ
تأخذ شكل هذا القلبْ
وكانت لوعة العشّاقْ
تنام على سرير العشبْ
على الرملِ
زرعنا الوعدَ باللقيا
وبتنا طيَّ هذا العشقِ أغنيتينِ من أشواقْ
وحين تبدأ الشمس سفرها اليومي تسكن أصوات العصافير آذان المدينة زقزقةً وانشراح ، والليل فيها موائد النسيم وسحره ، عبر ممرات السواقي الضيقة كثيرة التعريجات إلى أن تلفّك الوحشة بكامل سطوتها ، تلتقيك المساكن ، تبدأ أصوات ساكنيها تكسر عنك رجيع الهواجس فتتناسى الأغنية الباهتة التي كنت تدخرها لرعشات الخوف هذه وصوت أرجل العالم كلها تخطو وراءك وأنت ( تعصر وتخبّ ) وتكاد تطير ، الأطفال يلعبون لعباتهم الشعبية المحببة والرجال يتسامرون قرب دكان الحي متقد الذاكرة والطرفة والحضور وفوانيس الجيران وكهرباء المدينة ( الما مضمونة ) والشباب يستفزون قدراتهم كلها في مجالس أنديتهم المختلفة.
وفي حي ( السكة حديد ) يجتمع السودان في توادد الأهل ونبل الأصدقاء ووداعة الأحباب ، تكاد بيوته دائرية الغرف وفناءات الدور تكون داراً واحدة تطل عبر جدرانها أوراق أشجار الجوافة والليمون وعرائش العنب التي تطول على ظلالها الوريفة جلسات القهوة وأحاديث الظهيرة المخلوطة بالنعاس اللذيذ والإرهاق ، ويسطع فيها نجم الراديو تغسل أغنيات برامجه النهارية أوجاع الحقل وأعباء السوق ومسؤوليات المنازل الكثيرة ، ومن جميل ما يميز كسلا أنها لم تسلب ساكنيها من بقية القبائل ومناطق السودان وحتى خارجه ذواتهم ولم تترك ثوبها هي كذلك ، تجد عبر ليلها المملوء أشجاناً وأفراحا ، نقارة أهل الغرب وطنبور الشماليين وباسنكوب الشرق وشعورهم الطويلة التي تشكو تغوّل الزيت الدائم عليها ، وتجد في قلب المدينة أوركسترا أهل الوسط وكلها محضورةٌ دائماً ، عامرة تفيض إلفاً وقربى ، وفي السوق الكبيرة بوسط المدينة ، تنتظم أكوام الفاكهة المبعثرة في سوق غرب القاش الصغيرة ، على مناضد خشبية مختلفة الألوان والأسماء تأخذ زينتها عند كل صباح بعد غسلها ورصها في أشكال هندسية جميلة ، ولكنها تحافظ على سعرها الزهيد في السوقين ، ولو أنها تبدي بعض الغلاء بوسط المدينة لحرص زوّار المدينة من عرسان السودان الذين يحجون إليها على شراء فاكهتها المشهورة حين عودتهم إلى مدنهم ، وتسيطر على مطاعمها وجبات أهل الشرق الرئيسة يبدو ( السلات ) وهو عبارة عن لحمٍ ينضج على حجارة محماة بالنار في كامل دسمه واحمراره الشهيّ ، ويتألق ( القُرار ) اللحم المحشو في ( مصران ) الخروف ، لكأن كل توابل الحضارات مزجت بخلطته وكل قوائم الطعم اصطفت عند ضفة حجارته المتقدة فلا تكاد تشبع منه ولا تكاد تخطئ نظرة النصر في عيون الطاهي وهو يهبُّ ناره ويغني بابتسامته التي تفوق الضحك بمراحل ، يصاحبها بأغنياتٍ محببة وبعض رقصٍ يهزّ فيه رقبته بمهارة فائقة ، ولكن الفول يظل ملمح كل المدن السودانية ، يزيده السمن البلدي حضوراً في مطاعمها البلدية التي لا تفتر عن تقديم وجباتها طوال اليوم وتضجّ قربها المقاهي تقطع سكون الليل بأنفاس الشيشة وبخار الشاي ورائحة القهوة وونسات السمّار ، تتميز مقاعدها الخشبية باللونين الأخضر و(اللبني ) مع سواد اتساخٍ يطليه بها الزمن والناس ، وهي من أميز ملامح المدينة تجد فيها أخبار العالم ونتائج مباريات إستاد كسلا المفضوح بارتفاع الجبل ، يتحد فيها الصبر والأمل والحب والرغبة وتتطاير الأحلام مع لفافات دخان الشيشة وينجو العقل ببعض خدرها من التفكير في الواقع المر ، والطريق السريعة خارج المدينة لا تنتهي بعد خروجها إلا إلى حدائق وسواقي وضواحي كسلا التي تملأ سوق غرب القاش بالحياة ، وتمتد مدّ البصر أحزمة الخضرة حول المدينة حتى لتكوّن على جيدها وشاحاً من الخضرة والجمال عقده الجبل الذي لا تبرحه سحاباته وذيولها الضبابية وقروده التي تغيب ساعات العصر حين يضجّ الجبل باللقاءات وتبدأ بعد الغروب في ملء أسماع المدينة بأصوات ألعابها وبهجتها الممتد عبر أزمانٍ وأزمان.
لا تكاد تغادر مدينة الجمال المتجدد تلك إلا وتلتفت صوب ذكرياتك فيها تطالع الجبل وهو يودعك بجبينه المغسول وسحاباته الدامعة ، حتى تغيب عنك ، فيبدأ القلب عندها في التلفت والشِعر يحوّم حولك " كسلا أشرقت بها كأس وجدي " قبل أن يغنيها الكابلي ويبدل الكأسَ بالشمسِ لاعتباراتٍ لا تخصّ المدينة ، ولا حالات الإلهام العميقة ، ويظل الجبل يقاطع المسافاتِ وأنت راحلٌ عنها حتى لتظنه يتبعك وهو غارقٌ في عشقه حتى أخمص حجارته ، وتتقد بينك وبينه لغة الهوى فتنام على أشجانك ويصحو الغناء

بقلم / أسامة معاوية الطيب 

الاثنين، 4 يوليو 2011

شاشات باردة .. و معاشات أبرد


قابلتهم كثيراً وهم جالسين خلف الشاشات الباردة يتابعون  أسهم حمراء هابطة واخرى خضراء صاعدة  ..
وراقبتهم و هم يصيحوا فى فرحة إعلاناً عن ألوف من الجنيهات ستتحول تلقائياً لحساباتهم فى المصارف, سمعت احاديثهم عن شركة كذا اللى طلعت وشركة كذا اللى نزلت وعن ميعاد توزيع أرباح شركة كذا وعن كوبونات شركة كذا .... ثم نظرت حولى فلم أجد عملاً أو جهداً أو إنتاجاً ..
فقط شاشة باردة وامر شراء وامر بيع

وقابلت هؤلاء أيضاً كثيراً وهم مصطفّين , مهطعين  , مقنعى روؤسهم , محنية ظهورهم من أثر الكد والعمل والعرق فى خدمة بلادهم ما يقرب من 30 عاما دفعوا خلالها أقساط شهرية من مرتباتهم الهزيلة للحكومة وأوكلوا إليها فرصة أستثمار أموالهم حتى ياتى هذا اليوم و يقفوا  فى صف طويل فى عز شمس الظهيرة صيفا ومن الفجر فى عز برد الشتاء .. أمام موظفين سئموا منهم ومن خدمتهم ليحصلوا فى النهاية على وريقات قليلة بالكاد تكمل الثلاث مئات  فى احسن الاحوال
الأحظهم وهم ينصرفون من امام الموظف ومعهم غنيمتهم  ويبدوا  و الرضا يغمر وجوههم .. تراهم وهم يطبقون علي غنيمتهم  فى قوة وخوف
أعينهم تراها زائغة وهم منهمكين فى حساب  مصاريف الاكل والشرب وقسط الجمعية و ايجار البيت واجرة الكشف وتمن الدوا والكام جنيه اللى بيتحطوا تحت المخدة للواد العطلان .. ثم ينظروا مرة اخرى للوريقات القليلة ثم يبتسموا فى حزن ثم تنعدم الحيلة فينصرفوا مهطعين مقنعى روؤسهم

وفى النهاية ...
تحتاج الحكومة الى 3 مليار جنيه ... فتنظر لأصحاب الشاشات فيحذروها من مغبة التفكير
فتتراجع سريعا لتنظر الى اصحاب المعاشات وتراهم فريسة ما اسهلها
عندئذ نتيقن نحن أننا نعيش على أرض الأغنياء بقانون الأغنياء الذى يحكمنا به الأغنياء
حيث لا مكان للفقراء

إقرا لتتأكد

السبت، 2 يوليو 2011

هل فعلا .. يلعن ابو الشعب ... ؟؟ 1

فى أحد أيام صيف القاهرة الحار عام 2004 شاهد المصريون بأعينهم هذا الكائن الفضائى الخرافى فى شوارع منطقة وسط البلد وبالتحديد فيما كان يسمى وقتها واحة الحرية والثورة . أو شارع عبد الخالق ثروت حيث مقر نقابات المحامين والصحفيين ونادى القضاة .. الرحم الذى خُـــلّــقت فيه نطفة لمولود بديع  وساحر سيتأخر قليلاً ولكنه غالباً سيأتى . فقط ليس أكثر من 7 أعوام .
وقتها شاهد المصريون ما يقرب من 15 مصرى يرتدون ملابس يلبسها معظم المصريين ويتكلموا نفس لهجتهم ولكنهم يهتفوا هتافاً غريباً عجيباً مخيفاً .. كانوا يصرخون بصوت عالِ .. يسقط يسقط حسنى مبارك .. !!!
وكانت على صدورهم ثمة ورقة صفراء صغيرة على شكل دائرة وتظهر عليها كلمة كفاية .

رأى المصريين ذلك المشهد الإستثنائى ولم ينفروا منه ولم يرفضوه ولم يعترضوا عليه بما يؤكد أتفاقهم معه ولكنهم نظروا له فى صمت ولعنوا داخلهم الخوف والرعب والأستعباد والقهر الذى منعهم من متعة الهتاف بـــ ..  يسقط يسقط حسنى مبارك
 وصاروا يغبطون هؤلاء المصريون ويحسدونهم على جرأة وشجاعة امتلكوها وحرية حررت نفوسهم قبل ألسنتهم وجعلتهم يهتفوا هذا الهتاف الخيالى فى وسط القاهرة المحاصرة والممنوعة و المقهورة  .. ثم واصلوا النظر فى صمت ومروا ولم يتوقفوا .

يمر الأن على صيف 2004 الفريد ستة عشر فصلأ اخر حتى يأتى ربيع 2008 وبتابع المصريين فى دهشة إنتشار دعاوى بين المثقفين والشباب تسمى "خليك بالبيت" بالتدريج بدأوا يفهموا المقصود منها ..
الأحد 6 أبريل 2008 يوم للجلوس فى المنزل وعدم النزول للعمل أو لأى سبب . إضراب شامل وكامل عن كل شىء فى أول دعوة لعصيان مدنى فى التاريخ المصرى الحديث والقديم ايضاً على ما اظن .
إعتراضاً صامتاً وزاعقاً فى نفس اللحظة على سياسات النظام الحاكم .. أيضاً لم يعترض المصريين ولم يرفضوا الفكرة وتم تنفيذ أول إضراب مصرى شعبى تقترب نسبة نجاحه من الأكتمال وتنشر صحيفة المصرى اليوم وقتها صورة لشوارع القاهرة وهى خاوية على عروشها إلا قليلاً فى ساعة ذروة يوم أحد وهو أمر لو تعلمون عظيم . شارك المصريون حيث لم تكن هناك تكلفة امنية أو سياسية  لمشاركتهم  ... فقط ...  إجلـــس فى بيتــــك
مر هذا اليوم ولكن فى اليوم التالى أستيقظ المصريين على خبر أعتقال العديد من الشباب أتذكر الأن أسماء  مثل إسراء عبد الفتاح , رامى يحيى وغيرهم كثير .
تضامن مرة أخرى المصريين فى صمت مع اصحاب الدعوة للأضراب ونظروا بفخر للشباب المقبوض عليهم ثم نظروا لأنفسهم ولعنوا أنفسُهم ونفسَهم المسكونة بشعور الرعب والخوف و القهر والإستعباد ومشاهد أفلام البرى و الكرنك وأحنا بتوع الأوتوبيس وما أحدثته فيهم .

كانت تتم فاعليات حركات الاحتجاج المصرية فى ظل قبضة امنية باطشة تضرب بكل قوة و عنف وبلا رحمة , كانت المظاهرة تضم مثلاً 20 فرداً ويحاصرها نحو 2000 فرد أمن من جندى الأمن المركزى وحتى اللواء مساعد وزير الداخلية وما بينهم من رتب ونسور ودبابير , تشاركهم عشرات العربات المصفحة الخضراء الكريهة الشكل والتى بالمناسبة أفتقد رؤيتها فى تقاطع شارع رمسيس مع  شارع عبد الخالق ثروت  والتى كانت تحول القاهرة إلى ثكنة جنود وميدان حريى عسكرى طول الوقت .
وأيضاً أعتاد المصريين أن يمروا من  امام تلك المظاهرة أو الوقفة الأحتجاجية أو الأعتصام .. التى أعتادوا أشكالها و أبطالها وهم ينظروا فى صمت ثم يواصلوا مرورهم .. ويظل المشهد كما هو لعبة قط و فأر بين الأمن والنظام والمتظاهرين ويكاد يؤمن كل من يشاهد المشهد وأولهم المتظاهرين ان المشهد سيظل هكذا . ولن يتغير على الارجح وكان يزكى نفوسهم شعورهم  أنهم يفعلوا ما يؤمنون به بدون غرض أو مصلحة  وحتى وان لم يفهم او يستوعب باقى المصريين . بقى التأكيد ان تلك الفئة من المصريين هم أنبل وأجمل من أنجبتهم مصر

إلى ان حدثت الطامة الكبرى وقرر المصريين المشاركة بدلاً من النظر والتسلية بعض الوقت ثم مواصلة النظر و المرور فى صمت ... فقط جزء من المصريين قرر المشاركة فكانت ثورة 25 يناير .....
أجمل حاجة حصلت فى حياتى . و أسعد لحظة عشتها .. واللى معنديش شك إنى مش هاعيش لحظة أجمل منها مهما عشت ...
كفاية بس عليا مشهد الأف المصريين وهما فى الشوارع بيقولوا بالظبط شعار كفاية اللى كان نفسهم يقولوه من  7 سنين ...
 يسقط يسقط حسنى مبارك ... 

الأحد، 5 يونيو 2011

كنّا نتمناها ثورة ...


.. فلترفعوا عيونكم للثائر المشنوق
فسوف تنتهون مثله .. غدا
و قبّلوا زوجاتكم .. هنا .. على قارعة الطريق
فسوف تنتهون ها هنا .. غدا
فالانحناء مرّ ..
و العنكبوت فوق أعناق الرجال ينسج الردى
فقبّلوا زوجاتكم .. إنّي تركت زوجتي بلا وداع
و إن رأيتم طفلي الذي تركته على ذراعها بلا ذراع
فعلّموه الانحناء !
علّموه الانحناء !
كانت تلك الكلمات الخالدة لشاعر الرفض أمل دنقل أنسب مقدمة لتلك التدوينة
كنّا نتمناها ثورة ...

الثورة الشعبية تغيُر إستثنائى فى تاريخ الشعوب , فعل مفصلي فى الزمن لا يحدث كل يوم . 
عندما تهب الشعوب و تنتفض الأمة فنحن لا نتحدث عن تظاهرة أو أحتجاج أو إنتفاضة وقتية .. تظل لكلمة ثـــــــورة قدسيتها فى أنها كالطوفان يكتسح أمامه كل شىء لتخلف ورائها واقع جديد من العدم . لتؤسس وتخلق مجتمع جديد بأطر جديدة بأنظمة جديدة . هى منحة من السماء لمحو كل الخطايا وبناء مجتمع فاضل تتنفى فيه كل المقومات والأسباب التى كانت وقود وحطب لتلك الثورة .
هل ترى الثورة المصرية تستحق أسمها ولقبها ؟؟؟؟
الثورة المصرية قامت فى الأساس ضد نظام سياسى أستخدم كافة أنواع وصنوف الفساد السياسى لكى يرسخ وجوده وسلطانه من تزوير متواصل لإرادة الشعب على مدار عمره القبيح إلى تعديلات دستورية قذرة تؤطر لوجوده الاطار الدستورى القانونى الشرعى , إلى مشروعات قوانين فتحت الباب لحفنة من اللصوص لنهب ثروات البلاد بشكل مقنن . وصولاً إلى أستباحة أملاك وموراد هذا الشعب من وسائل إعلام مهيمنة وموجهة سُخرت لتزييف وتغييب وعى الشعب وعقله وقلبه , و ذراع أمنية باطشة لقمع وقهر وتعذيب أبناء هذا الشعب ومن يفكر منهم أن يقول لا ... إلى أن طفح الكيل وقام هذا الشعب وثار فى لحظة نورانية مقدسة أضاءت سموات هذا الوطن بنور الحرية وعطرت هوائه بنسيمها .. لحظة آن فيها لليل أن ينجلى و للقيد أن ينكسر .
ولكن وآه من لكن هذه ...............
كيف هى ثورة و يُحرم هذا الشعب الأبي من محاسبة هؤلاء الفسدة اللصوص على هذا الفساد السياسى البغيض الثقيل .
كيف هى ثورة وبات أقصى ما يتمناه أصحاب الثورة هى أحكام قضائية فى تُهم تريح وغسيل أموال وكسب غير مشروع فى حفنة ملايين .... بئس الثورة حين يكون هذا منتهاها .
كيف هى بثورة ولا تعطينا الحق فى محاسبة كيان وتشكيل عصابى يسمى الحزب الوطنى أرتكب من الجرائم والخطايا والأثام ما يكفى ويزيد لإصدار أحكام أعدام فورية على كل من مر بجوار سور هذا الحزب وليس أعضاؤه فضلاً عن قيادته ولجنة سياسته ولا إفتئات على قضاء بل هو عدل الله .
كيف تكون ثورة يا ناس ولا تملك سوى قضاء مدنى بكل ما به من بطء وروتين وتأجيلات و مرافاعات بل قل الاعيب محامين على شاكلة موكيلهم .
ما شكل الثورة التى يُحاكم بعض أفرادها وقادتها أمام القضاء والمحاكم العسكرية العاجلة الفورية الأحكام  تاركين القضاء المدنى لأعضاء وقيادات ورموز الحزب المنحل والنظام الساقط بفعل هذه الثورة أى رحمة و رأفة ساذجة هذه ؟؟؟؟
والله لو علم قادة الثورات الناجحة فى تاريخ الشعوب مآل ثورتنا وماذا تفعل فى أبناءها وماذا تفعل فى طغاتها لخرجت أرواحهم من أجسادهم جنوناً أو ضحكاً  .... أى عبـــــــــــــــث هذا .
ثورة توفر أقصى درجات الحماية والرعاية الصحية للطغاة والقتلة والفسدة وتصدر الأحكام الفورية ضد أصحاب الثورة .... هل رأى أحد منكم وجه السفاح حبيب العادلى فى قفص الأتهام .. أم مازال يُعامل كوزير داخلية داخل محبسه ؟؟؟
تذهب إلى الجحيم ثروات مسئولين تصغر وتذوى تتضاءل أمامها أرواح 800 شهيد وأكثر من الف جريح بعاهات مستديمة قدموا أرواحهم وشبابهم وأبصارهم  ثمناً هيناً لحرية بلادهم , ولكى يروا شياطين الأرض والعصر داخل الأقفاص بالتُهم الحقيقية ...... فســــــــــــــــــــــــاد سيـاســـــــــــــــــى يقترب من أو يناهز الخيانة العظمى لمصالح البلاد وإفقار وتجويع وقتل عباد أئتمنوهم على وطنهم
ثروات الفسدة فى الخارج ليست أبداً ولن تكون أغلى وأثمن عندنا من كل شهيد وجريح من شعبنا
ثم ثم ثم الأدهى والأكثر عبثية أننا مازلنا نُحكم بدستور فاسد أجريت عليه بعض التعديلات ونجلس فى إنتظار أنتخابات برلمانية قد تأتى ببعض الوجوه الكريهة ليشاركوا فى مرة أخرى إعادة صياغة دستور جديد لمصر الثورة ...... أى عبث هذا ......... وأى جنون هذا
الثــــــــــــــــــــــــــــورة تبقى ثورة ,,,,,,,,, والعبث يبقى عبث .


ثورة 25 يناير إفتتاحية مناسبة  لثورة بجد أو هكذا أتمنى