السبت، 21 يناير 2012

نـــــــــــــــور


فتحت الباب ونظرت أول ما نظرت إلى أسفل .  كما تعودت دائماً .. أن أقيم الشخص لأول وهلة من قدميه وحذائه . فوجدت شبشب قديم  تخرج منه أصابع بأظافر طويلة غير نظيفة وملابس لا تختلف كثيراً حيث تبدو عليها مظاهر الفقر الشديد , بلوفر قديم باهت اللون كثير الثقوب وبنطلون جينز يسأل صاحبه الرحمة و الإعفاء من خدمة طال أمدها . وحقيبة رياضية مهترئة ثقيلة الوزن مفتوحة من كل جانب يمارس جهد شديد فى محاولة حملها شاب فى الثامنة عشر يبدو وجهه شاحب وتظهر عليه كافة مظاهر سوء التغذية و الفقر اللعين  ..
بادرته باسماً أتاخرت ليه يا عم انتا ؟
تحول وجهه من التجهم و التحفز إلى أبتسامة ذات غموض ساحر أظهرت إهمال واضح فى فكي أسنانه نتيجة الفقر والذى يجعل من شكل الأسنان جزء من الكماليات شديدة الرفاهية حيث كُسرت كلياً أحداها وأخرى مكسور نصفها
وقال : معلش يا باشا انا لسه راجع من الشغل الأولانى فى المصنع وأول ما وصلت للمكتب الباشمهندس بلغنى بالأوردر بتاع حضرتك
قولت : تمام .. أيه رأيك هنركب الطبق فى السطح ولا البلكونة ؟
قالى : لا أنا بحب أكتر شغل السطح بيكون براحتنا ووبنظبط الأشارة أسهل
قلت : تمام .. توكلنا علي الله وصعدنا الى سطح المنزل وبدأ فى إخراج معداته و أشعلت سيجارة وأنا أتفحص فى هذا ابن الثامنة عشر تقريباً . أين له بأصول وفنون مهنة مثل تركيب الأطباق الفضائية ومتى تعلمها ودُهشت عندما كنت أقارن الشكل البسيط بالمهنة اللتى تتطلب معرفة ومهنية و مبادىء لغة أجنبية للتعرف على أسماء الأقمار والترددات وخلافه وقلت فى نفسى لننتظر ونرى . بدأ فى العمل بجد واجتهاد شديد وتأكدت سريعاً من تمكنه من مهنته وبدأت التحدث معه وعلمت انه يعمل فى مهنتين الأولى فى مصنع أستانلس ستيل على ماكينة طباعة من الساعة التاسعة صباحاً حتى الخامسة مساءاً ثم يذهب فى السابعة إلى مكتب الباشمهندس هشام ليعمل فى مهنة تركيب الأطباق الفضاية وصيانتها حتى الساعة الثانية صباحاً ثم يذهب إلى منزله الذى يستأجره بمشاركة 4 أفراد تكاد حياتهم تتشابه من حيث قسوتها  . وعلمت أنه ينتمى لمحافظة اسيوط ويذهب إلى هناك كل أجازة . وجرى بنا حديث عادى عن الظروف و المرتب الضعيف والعمل القاسى وما شابه حتى سألته عن ما إذا كان بأمكانى الأتصال به قريباً حتى يذهب إلى قريب لى لأعادة برمجة جهاز الأستقبال لديه
فرد وقال : فى أى يوم حضرتك أنا تحت أمرك معادا يوم الأربعاء .. سألته مندهشاً : أشمعنى الأربعاء ؟؟ قالى ده يوم 25 يناير وأنا هانزل الميدان .
هنا أنتبهت وأستيقظت حواسى ووجدت أمامى كنز بديع من المناقشات مع واحد من المنسيين و المهمشين والذين نُتهم دائماً بأننا قطعنا عيشهم وارزاقهم وأصبحوا يكرهوننا .. إلخ ..
هو انتا بتنزل الميدان ؟؟!!.. واستطردت انتا مالك انتا ومال الحاجات دى يا عم وبعدين العيال بتوع التحرير دول شوية عيال صيع و بلطجية ومالهمش شغلانة غير المظاهرات وخربوا البلد الهى يخرب بيوتهم كلهم . وانهيت كلامى ثم دخلت فى مرحلة صمت
فى إنتظار أن أسمع ... وسمعت
بدأ وقال .. لا يا باشا مش كل الناس اللى هناك صيع دول ناس متعلمين كويس وماسكين شغلانات كويسة ومعاهم فلوس من الأخر وعندهم وقت فاضى ينزلوا يطالبوا بحقوق الشعب الفقير الشقيان اللى طالع من شغلانة على التانية ومعندوش وقت زيهم ينزل يطالب بحقه , ومفيش هناك بلطجية ولو فى ناس بلطجية وبتحرق وبتخرب دول يأما بتوع طرة أو الحزب الوطنى اللى بيزقوهم
كدت أرقص من داخلى . ثم واصلت ..  بقولك ايه يا عمنا الثورة دى كلها عبارة عن مؤامرة عملتها أمريكا واسرائيل عشان يهدوا مصر ويعرفوا يسيطروا عليها .. ونظرت فى عينيه ووجدت ضيق شديد من كلامى وبدأ كلامه بشبه سخرية وقالى يا باشا أوعى تكون بتفرج على التليفزيون المصرى وبتصدق كلامهم . الثورة دى مش مؤامرة من اى حد ..
الثورة دى احسن حاجة حصلت فى تاريخ مصر من الأخر .  وأنهى كلامه بتلك الجملة وهو يرغب فى إنهاء الحديث بالظبط مثل ردود أفعالنا عندما نجد واحد من فصيلة العبيد ونرغب فى إنهاء الحديث
وسريعاً صححت له الصورة ووضحت له انى بدأت كلامى هكذا لرغبتى فى معرفة رد فعله ..
 فضحك كثيراً وقال : الله يا باشا ما تزعلش منى انا كنت بشتمك من جوايا وبقول امتى هاخلص الشغلانة عند المتخلف ده ... وبدأ يحكى ويسترسل بعدما اطمأن لى وأخذ يسرد بأفتخار شديد بطولاته فى الثورة من يوم 28 يناير إلى أحداث مجلس الوزراء مروراً بأحداث محمد محمود .
سألته أيه رأيك فى الجيش : قالى مفيش أى فرق بينهم وبين حسنى مبارك .. وبعدين حسنى مبارك مش عبيط عشان يسلم البلد لناس غريبة عنه أو مش مطمن لها .. ثم ختم كلامه بأن قال إن شاء الله ياباشا الثورة هتنجح وهنبقى احسن بلد فى الدنيا بس الناس اللى حوالينا تفهم عشان انا كل الناس القريبة منى بتقولى انتا بتاخد كام عشان تنزل التحرير وكلام من ده . وانا برد واقول فى راجل كبير كده بيقبضنا كل يوم 600 جنيه وتعالوا معايا وانتوا تأخدوا  ههههههههههه . هقولهم ايه يعنى .. ؟؟
والله عالم جهلة والبهايم بتفهم اكتر منهم رغم يا باشا انتا ممكن تعتبرنى واحد من الناس اللى الثورة جت عليهم بالضرر بس انا مش فارق معايا وهفضل أنزل كل يوم لو حكمت .
قلت والثورة ضرتك فى ايه .. ؟؟
قالى : الباشمهندس هشام كان بيدينى 350 كل شهر وبعد الثورة خلاها 300 بس ,  رغم إنى بدخلّه فى الشهر مش أقل من 3000 جنيه ولما سألته ليه كده اتحجج وقال ان الثورة خربت بيته وكده رغم أنى شغال معاه ومالاحظتش خالص ان شغله أتاثر من الثورة بس تقول أيه بقى راجل برجوازى ومعفن .!!!!!!!!! قالها وسكت
 وأنتفضت أنا من مكانى اييييييييييييييه بتقول اييييييييييييييه ... برجوازى ايه دى .. يعنى برجوازى اصلاً ؟؟
نظر لى بأستغراب وقال ايه يا باشا عادى يعنى ..
قلت له لا .. مش عادى  اشمعنى برجوازى ؟؟ .. معناها ايه يعنى ؟؟؟
قالى : لا والله  .. انا فاهم معناها بس مش هاقدر اشرحه .
قولت له قول اللى انتا فاهمه وخلاص ..
قالى : برجوازى يعنى ناس كده فى "طبقة" معينة معاها فلوس كتير وبتدوس على كل الناس اللى تحتها ..
وهنا لم أستطع الأنتظار وسألته .. انتا شيوعى ؟؟
لا والله يا باشا فى ناس عندنا فى المصنع مطلعين عليا التهمة دى و بيقولولى انتا شيوعى عشان بنزل الميدان .. وانا أقولهم يعنى ايه شيوعى دى أصلاً ؟؟
وأنتهى حديثنا واخذ يلملم فى معداته ثم همّ بالذهاب .
قلت له .. أستنى أنتا كل ده ومقولتش أسمك ايه  .. أسمك ايييييييييه ؟؟
نور يا باشا .... أسمى نـــــــــــــــــور

مصطفى الشوربجى
القاهرة فى 20/1/2012
فكرة : أحمد فؤاد

الجمعة، 20 يناير 2012

بيان اتحاد شباب النوبة الديموقراطي بشأن المستجدات في القضية النوبية


عقد اتحاد شباب النوبة الديموقراطي مؤتمرا صحفيا في مركز هشام مبارك بالامس بالتعاون مع حزب التحالف الشعبي الاشتراكي و الحزب المصري الديموقراطي الاجتماعي .
و هذا نص البيان  

بسم ثورة مصر التى لم تكتمل ...
السادة الحضور بالنيابة عن اتحاد شباب النوبة الديمقراطى اتوجه لكم بالتحية لتشريفكم وحضوركم ..
.. تابعنا مؤخرا وكلنا أسى الأحداث االأخيرة بقرية أبو سمبل التهجير بمركز نصر النوبة .. أحداث غرق القرية وانهيارجسر ترعة وادى النقرة ( المعروفة بترعة زكريا عزمى ) .. ونحن فى مؤتمرنا هذا جئنا لنكشف حقيقة الأحداث والتى دائما تكون الرواية الرسمية  لها كاذبة وعارية تماما عن الصحة .
القصة تبدأ منذ بدايات الثورة والانفلات الأمنى وانسحاب الشرطة المتعمد وتقاعصها عن آداء مهامها بعد تظاهرات 28 من يناير .. الا ولأن أسوان عموما ومركز نصر النوبة خاصة عانى الأمرين من هذا الفشل الأمنى الذريع للحكومات المتعاقبة وكذلك فشل المجلس العسكرى فى ادارة شئون البلاد فحتى الآن تعانى القرى النوبية ما بين انقطاع تام للاتصالات نتيجة لسرقة كابلات التليفونات أو سرقة أعمدة الكهرباء وآخرها سرقة نحاس مولدات رفع المياة من ترعة وادى النقرة الذى أدى لغرق قرية أبو سمبل .. قرى بكاملها محرومة من الاتصالات وعلى سبيل المثال قرية أدندان منذ 6 شهور وليس لديهم أى اتصالات أرضية نظرا لتكرار عملية السرقة المنظمة   .. اخفاقات وفشل مستمر .. فض اعتصامات بالقوة والتستر على أمين شرطة قتل مراكبى بسلاحة الميرى .. استشهاد أحد أبناء قرية توشكى بالرصاص الحى وكان آخرها مقتل شاب من قرية السنقارى والمالكى  على يد مسجل خطر حاول التعدى على ملكيتة الزراعية .. تعانى منطقة نصر النوبة من عصابات منظمة ومسلحة ومجهزة تماما لجميع عمليات السطو والسرقة تقوم بسرقة كابلات الكهرباء والأعمدة والاتصالات وتستولى على الأراض والملكيات الزراعية .. وبالطبع تقوم بقتل كل من تسول له نفسة اعتراض طريقهم .. وسط غياب مخزى وفاضح من الشرطة المدنية والعسكرية وتقاعس المحافظ والحاكم العسكرى عن آداء مهامهم ..هذا المحافظ الذى لا نعرف السر الغريب وراء الابقاء علية حتى الآن هذا المحافظ الذى تسبب فى أزمات جمة للوطن وعرض أمنه للخطر وكان أكثرها دموية أحداث الأحد الدامى المعروفة بأحداث ماسبيرو .
نعود الى غرق قرية أبو سمبل ..هذة العصابات قامت بسرقة أجزاء من مولدات رفع المياة بالترعة ( الترعة التى تسقى مزارع خاصة بالمدعو زكريا عزمى ) .. ما ادى الى  تعطلها و تراكم المياة وارتفاع منسوبها وضغطها على أجزاء من الجسر الخرسانى الذى  أدى الى حدوث شروخ فيه أدت الى تسرب بطئ للمياة تجاه القرية ثم ما لبث ان انهار الجسر وأغرق بيوتها .. كل هذا تم منذ الفجر وقام المواطنون بالإبلاغ وكان من الممكن حل المأساه قبل ان تحدث اذا تدخلت السلطات بسرعة  ولكن السلطات كانت فى وادى والشعب فى واد .. ولم يتحرك المحافظ الا عصر اليوم بعد ان حدث ما حدث والأدهى ان اول تصريح له كان لطمأنة الناس ان القرية بعيدة تماما عن المعبد وان الآثار بخير .. وكأن البشر لا يساوون شيئا .. وكأننا لا نساوى حتى تصريح يطمئن الناس عن أرواحنا  نحن نقدر تماما قيمة الآثار فهى آثارنا تربى أجدادنا فى وجودها وعرفوا وحفظوا قيمتها على مر السنين .. ولكن لا يقاس ثمن كل آثار مصر بظفر مواطن من شعبها .
بالطبع رفض الأهالى زيارة المحافظ وهو ما لا يلاموا علية أبدا بعد تقصيرة وفشلة فى ادارة الأزمة .. ولكن على من نلقى اللوم المحافظ أم المجلس .. فالمجلس العسكرى هو الذى أودى بنا الى هذة الحالة بعد ان فشل تماما فى ادارة امور البلاد وادارة الأزمات التى مرت بنا خلال عام مضى .. أهالى القرية كثيرا ما رفعوا مظالمهم وطالبوا بحلول لهذة المشاكل سواء المتعلقة بالترعة او الانفلات الامنى المتعمد ولكن قد أسمعت ان ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادى .
ندرك تماما اننا نعانى تحت وطأة الحكم العسكرى مثلنا مثل جميع المصريين وكذلك كنا جميعا قبل اندلاع شرارة الثورة ولكن اذا اختار الآخرين الصمت عن حقوقهم فهذا شأنهم وقد قررنا اننا لن نصمت أبدا عن حقوقنا .. الأمور مازالت تزداد سوءا يوما بعد يوم وعمليات  السرقة المسلحة والمنظمة مستمرة  والأجهزة الأمنية لا تحرك ساكنا .. بعد غرق القرية بأيام استولى مجموعة من البلطجية والعصابات مسلحة على اراض جمعية زراعية يملكها النوبيون وعندما تجمهروا امام القطاع العسكرى كان الرد من القيادة ( روحوا هاتوا اراضيكم احنا مش هنعمل حاجة لحد غير بعد الانتخابات )
الأدهى والأمر أن الأهالى اجتمعوا بمدير أمن أسوان .. والرواية من طرف الأستاذ فوزى جاير من قرية أبوسمبل .. اجتمع الأهالى بمدير الأمن وسلموه كشفا بأسامى وأماكن وقرى هؤلاء البلطجية والخارجين عن القانون على أمل ان يتم القبض عليهم .. ولكن كل ذلك لم يلق صدى لدى أجهزة الحكومة ومازال المجرمون يعيشون بحريتهم ومازالت المنطقة تعانى والأهالي لا يجدون أذنا صاغية .
لا نعرف ماهو المطلوب منا .. هل المطلوب أن تتقاعس الشرطة عن أداء واجبها ونتحمل نحن المسئولية.. هل سيكون الوضع مرض عندما نحمل السلاح لندافع عن أملاكنا وأرواحنا وممتلكات الدولة .. هل من الطبيعى ان تزيد رواتب ضباط الشرطة أكثر من 200% وهم جالسون فى مكاتبهم ؟؟!!! اذا كان هناك احد من المسئولين يملك ردا على هذة الأسئلة  فليتفضل بالاجابة .

نعلم أن الآن الأمور استقرت بالقرية وعادت الامور الى أحسن مما كانت عليه.. ولكن الى متى سنصمت على هذة الطريقة الفاشلة فى ادارة الأزمات .. الى متى يجب على النوبيون تحمل العيش فى قرى التهجير بكل مساوئها فى حين انه لا يوجد مانع يمنع عودتهم الى مكانهم وقراهم التاريخية على ضفاف البحيرة الا الرفض السياسى وعدم وجود ارادة سياسية لحل هذه الأزمة .
القضية النوبية تعود لعام 1902 وان لم يكن قبل ذلك .. عندما تقرر بناء خزان أسوان ثم تلته التعليات وصولا الى ثلاثينيات القرن الماضى  ثم بناء السد العالى فى الستينيات وحتى سبعينيات القرن الماضى .. سدود وخزانات تعود بالنفع على القطر كله .. ولكن يقابلها فى النوبة غرق وتهجير واجحاف وذل وتهميش .. قرانا وقبور أجدادنا التى غرقت أراضينا ونخيلنا الذى لم نكن نملك غيرة ذهب بغير رجعة .. والمقابل كان بخسا زهيدا .. تعويضات لا تساوى ربع القيمة الحقيقية للبيوت والأراضى والنخيل .. وقرى فى صحراء مقفرة بعيدة عن النيل شريان الحياة وعمادها بالنسبة للانسان النوبى  كل هذا ولم تتكلف الدولة الا عناء انقاذ آثار النوبة .. وحتى تلك لم تلتفت لها الا بعد هب  العالم اجمع لانقاذ تراث الانسانية .. حتى القرى التى تدفع ثمنها منظمة الفاو للدولة لاعادة توطين النوبيين .. يتم تسكين مواطنون من كفر الشيخ والبحيرة وسوهاج بها .. لا نمانع فكلها مصر ولكن .. لمن تكون الأولوية.. لمن تكون الاولوية .. لنا أصحاب الأرض والتضحية .. أم لغيرنا .. أم ان الدولة تريد أن تغير ديموغرافية المنطقة بما يشوبه  خلخلة ديموغرافية  ؟؟!! .. ام انها محاولة أخرى لافتعال أزمة بين أبناء الوطن ليتناحروا على أراضيهم وملكياتهم ؟؟!! حتى مشروع توشكى الفاشل الذى دشنه رئيس الوزراء الحالى .. بيعت أراضية للأجانب بأسعار زهيدة أهدرت مليارات من المال العام  .. ألم يكن أولى أن يتملك النوبيون هذه الأراض بما يعود بالنفع على مصر ويحل قضية عالقة لأكثر من مائة عام !!!
حتى الآن لم يتسلم المتضررين تعويضاتهم المقررة .. بعد مرور 70 عاما على آخر تعلية لخزان أسوان و 40 عاما على بدء بناء السد العالى .. حتى الآن لم يتسلم المتضررين بيوتهم وأراضيهم .. عائلتى أنا شخصيا لم تتسلم كل تعويضاتها بعد ولا نعلم ما المطلوب منا لتشعر الدولة بنا وتعترف بحقوقنا .
تهجيرات وغرق .. حضارة منسية مرفوض الحديث عنها فى كتب التاريخ .. عرقية وثقافة اثنية لا يعلم عنها احد اى شئ .. تهميش وتجاهل واستهزاء وتعالى فى الاعلام الذى لم يجد ما يصف به النوبيون غير انهم خدم , كل هذا على مدار أكثر من 100 عام كل هذا ونحن صامتون .. نتحمل من أجل مصر الوطن الكبير الذى نعشقه كعشقنا لروحنا تحملنا اتهامات كثيرة من قبل باننا نسعى للانفصال وأننا نعمل على مخطط تقسيم مصر .. ومازالت هذة الاتهامات توجه لنا .. وتنال من وطنيتنا التى لن نبالغ اذا قلنا أنها فاقت وطنية أى فصيل ..  ضحينا كثيرا ومازلنا .. ونؤكد ان رأب صدع مصر لن يكون الا من خلالنا .. وأبدا لن تؤتى مصر من قبلنا
أما وقد رأينا طريقة ادارة المجلس العسكرى للبلاد وتعمده اختلاق أزمات تودى بالوطن الى الهلاك .. أما وقد تأكدنا ووقر فى قلوبنا أن المجلس العسكرى لا يؤتمن على مصر بأى حال من الأحوال .. فان الدولة ليس أمامها خيار آخر .. قرانا فى التهجير لا تصلح .. ووادى كركر لا يصلح .. العودة حق ليس فىه تفاوض أو تنازل .. فقط كيفية العودة وطريقتها هى التى مطروحة للنقاش .. أما الآن وبعد كل هذة الأزمات وبعد الصبر والصمت والتحمل فالدولة ملزمة .. التزاما كاملا باعادة بناء قرى النوبة فى أماكنها الأصلية وبما تقتضية طبيعة منسوب المياة فى البحيرة .. وملزمة باعادة توطين النوبيين فيها التزاما تاما .. فكما انتزعت الدولة عند بناء السد والخزان منا ملكية 44 قرية بطول أكثر من 350 كيلومتر على جانبى نهر النيل.. عليها الآن أن تعيدنا الى 44 قرية على جانبى بحيرة النوبة وأن تتخلى عن كل خططها ومسكناتها التى لن تحل الوضع فقد أعلنت الحكومة مسبقا عن انشاء قرية أبو سمبل الجديدة وابريم الجديدة فى الظهير الصحراوى لمركز نصر النوبة  مما يكلف الدولة الملايين .. نحن لانريد قرى فى نصر النوبة أو فى ظهيرة الصحراوى  .. نريد قرانا على ضفاف البحيرة وكفى الدولة تبذيرا واسرافا واهدارا من أموال الشعب لما ليس فى صالحة ولا يريدة .
نعى تماما الظروف الحالية .. وندرك أننا قد لا نكون ممثلين لكل النوبيين ولكن هذة رؤيتنا للواقع .. وهذة فكرتنا فى الحل الذى طالما آثرنا ان نؤجلها الى حين ولكن .. لم يعد من الممكن التحمل بعد الآن .. قد يشاركنا غيرنا رؤيتنا وقد نتعاون سويا من أجل الوصول الى هذا الحل .. ولكننا نؤكد أننا ليس أمامنا أى مجال لتقديم أى تنازلات والتفاوض لن يكون الا على طريقة العودة نزولنا الى الشارع والميدان مرة أخرى أملا حتمى فثورتنا لم تكتمل بعد والنظام لم يسقط ...
ثورتنا مستمرة .. المجد لشهدائنا الأبرار .. يسقط يسقط حكم العسكر ...

الجمعة، 9 ديسمبر 2011

فى اسطنبول كانت لنا أيام ... 2

تركيا تعيش الأن نهضة حقيقة بالفعل.. نهضة عمرها الظاهرى ما يقرب من 15 عام بقيادة حزب العدالة و التنمية الذى فاز فى اخر 3 أنتخابات برلمانية ويشغل زعيمه اردوغان منصب رئيس الوزراء فى هذه الدولة البرلمانية وهو امر لم يحدث فى تركيا منذ سقوط الخلافة و إعلان الجمهورية . واردوغان يواصل قصة نجاح بداها فى بلدية اسطنبول حيث تولى رئاستها واحدث تغيراً عظيماً فى مستوى الخدمات والطرق وتطورت على يده المدينة بشكل لا ينساه الأسطنبوليين .

بلدية اسطنبول والتى شهدت بروز نجم اردوغان

وطبقاً لرواية دليلنا الفلسطينى الجنسية والذى يعيش فى اسطنبول منذ اكثر من 15 عام ان بيوت اسطنبول كلها لم تكن تصلها المياه عبر الصنابير إلا مرة كل اسبوع ولمدة ساعتين فقط وذلك حتى عام 1998 . كما أنها كانت تعتبر المكان الأكثر فساداً فى العالم حيث كانت السرقة والمحسوبية والرشوة من الثوابت التى يجب التكيف معها . عطية دليلنا الفلسطينى يقول " الأن كل ذلك تبدل وتغير واستطاع اردوغان بالفعل القضاء على كثير جدا من مظاهر الفساد , لن أجزم انه لا يوجد الأن لصوص ولكن .. لص عن لص يفرق " كان ذلك تعبير الرجل المقيم فى اسطنبول بحيادية تامة .

اردوغان وحزب العدالة والتنمية لهم انجاز اعظم كثيرا من مجرد القضاء على كثير من مظاهر واسباب الفساد ... اردوغان وحزبه مستعيناً بنسبة مقاعده فى الجمعية الوطنية الكبرى " البرلمان التركى " أستطاع تغيير مواد تاريخية فى الدستور التركى ( بعيداً طبعاً عن المواد المقدسة ..  الديمقراطية و الجمهورية والعلمانية ) و أستطاع قطع ذراع الجيش عن الدولة تماماً وأصبحت الدولة مدنية بحق - دعك الأن من هذا الهرى و الهزل الذى يحدث فى مصر عن معنى المدنية  والذى تستدعيه ذاكرتك  بمجرد ذكر كلمة دولة مدنية - ... ولنا عودة فى هذا
نعود لموضوعنا .. اقول ان اردوغان خاض معارك كثيرة وعسيرة فى صراعه مع الجنرالات انتهت بحسمها لصالحه وبألأصح لصالح دولته وشعبه

يقولون أن النهضة فى تركيا بدأت فى التشكل عندما بدأ إصلاح نظام التعليم والصحة اخر معاقل الجيش القوية فى بسط سيطرته على الدولة .. حيث خرجتا من تحت جناح الجيش وادارها المدنيين المنتخبون والمختارون بعناية وتجرد واحرزت البلاد تقدما كبيرا فى مستواهما على التوازى . يكفى القول ان جامعات تركيا الكبيرة لا تخرج من تصنيفات الجامعات الأبرز فى العالم واشهرهم جامعة اسطنبول . ويكفى القول أيضاً أن عدد المتقدمين لأمتحان الثانوية العامة التركية يبلغ 2 مليون طالب سنويا ينجح منهم 200 الف طالب فقط فى اجتياز هذه المرحلة للتدليل على صعوبة التعليم فى تركيا .. وبالسؤال عن مصير باقى الطلاب علمت انهم يعاد توزيعهم على التعليم الفنى والصناعى والتجارى والتقنى اما صفوة عقول تركيا من الطلبة الناجحون فى الثانوية العامة يتلحقون بالجامعات التركية الشهيرة المجانية للنعيم بمستوى تعليمها وتعدده و تنوعه ... طبعاً لا توجد فى تركيا جامعات خاصة هادفة للربح



 الدين والنساء فى تركيا العلمانية 
الشعب التركى مسلم سنى واقرب للصوفية فى غالبيته ... بالطبع توجد أقلية مسيحية ويهودية ولادينيين . تركيا يحكمها نظام علمانى واضح وصريح فى علمانيته كان يشوبه تطرف مقيت ضد الأسلام مثال منع ارتداء الحجاب فى الجامعات الحكومية وهذا فى رأيي لا يمت للعلمانية بصلة إلا المريض والمتطرف والمغلوط منها وهو استثناء لا يجوز التوسع فيه أو القياس عليه طبقاً للقاعدة القانونية الشهيرة . ولكن يحسب ايضاً لاردوغان وحزبه نجاحهم فى تهذيب وتحجيم تلك السياسة المتطرفة ووضعها فى اطارها الصحيح بما يخدم المجتمع المعتدل والوسطى فى معظمه . الدعاية الجاهلة و الظالمة عن تركيا العلمانية قد تجعلنا لا نصدق انك تستطيع بسهولة سماع الأذان فى شوارع تركيا  " كنت اقيم فى الطابق السادس فى فندق يقع فى منطقة تجارية ومليئة بالنوادى الليلة ويغلب عليها الطابع الغربى وكنت أسمع بوضوح الأذان 5 مرات يومياً من كذا مسجد قريب" المساجد لا يوجد اكثر منها فى اسطنبول وبالطبع لم أرى أفخم ولا أعظم ولا أنظف من مساجد تركيا ورأيت تحقيقاً للنظافة من الأيمان ورأيت نظافة تليق بمسلمين بالفعل ... لم أر بالطبع ذقون اوجلاليب قصيرة ... واحمد الله ان تركيا إلى الأن عصية على التوغل المقيت للحركات السلفية والوهابية المتمتعة بالتمويل الصحرواى وادعوه ان تظل عصية للأبد ... الأسطنبوليين يملاؤن المساجد فى اوقات الصلاة الخمسة وفى نفس الوقت يحتلون مكانة متميزة فى المواطنيين الأعلى دخلاً فى العالم . وكما يواظبون على صومهم ونحرهم نراهم متمسكين بجعل مدينتهم الوجهة السياحية الأحلى والأجمل والأكثر جذباً للسياح من محتلف دول العالم .
قد نصطدم أيضاً بحقيقة ان 90% من نساء تركيا محجبات .. عيناك لن ترى فرقاً بين نساء تركيا ونساء مصر من حيث انتشار الحجاب , ولكن نساء تركيا موحدون فى شكل حجابهم وكأنهم يطبقون قانوناً لتوحيد شكل الحجاب ... حجاب بسيط بدون تكلف
لن ترى للأسف هذا التنوع الفظيع من حجاب لأسدال لنقاب لملفحة إلى أخره من الأختراعات .... هو حجاب يغطى الشعر وفقط

اسطنبول ظلت لعقود كثيرة ضحية لموجات من التغريب قاسية ومستمرة .. اثرت بالطبع على كثير من الطبائع والتقاليد والعادات لأسر عثمانية كثيرة  ووابرز من نقد مظاهر التغريب هو اورهان باموق روائى تركيا الشهير الحائز على نوبل وابن اسطنبول وعاشقها الأول ولكن مع كل ذلك يبقى الأسطنبوليين محتفظين بكثير من الثوابت والأساسيات بما يقيهم شرالتمزق فى صراع التغريب و الهوية التاريخية لوطنهم

يقول باموق " فى اسطنبول ... الهزيمة وانهيار الدولة حوّلت المدينة إلى مكان ناقص .. لم تعش المدينة التغريب الذى تشير إليه اعلانات الججران و اسماء الدكاكين والمحلات والشركات المأخوذة أغلبها من الفرنسية والأنجليزية بقدر ما تتحدث عنه ابداً . كما أن المدينة لم تعش الحياة التقليدية التى تشير إليها الجوامع وكثرة المأذن والأذان و التاريخ ... كل شىء ناقص و غير كاف وغير مكتمل "
اورهان باموق فى كتابه اسطنبول الذكريات والمدينة " سيرة ذاتية "

الأربعاء، 7 ديسمبر 2011

فى اسطنبول كانت لنا أيام ... 1


تحتار كثيراً عندما تبدأ فى الحكى عن أسطنبول , اسطنبول التى تبهرك بوجهها الحداثى والحضارى وفى نفس الوقت التى تحمل حزن انهيار أمبراطورية سادت العالم فترة من الزمن ليست بالقصيرة . تحتار هل تحكى عن اسطنبول التى تحمل على ظهرها تاريخ التاريخ منذ العهد البيزنطى عندما كانت  "القسطنطينية "عاصمة الأمبراطورية البيزنطية  أم رحلتها مع الفتح العثمانى وتحولها إلى إسلام بول ثم الأستانة ثم اسطنبول  فى عز ايام الخلافة الاسلامية , إن شوارع اسطنبول المرصوفة بالحجارة تستنشق فيها بوضوح نسمات عبق تاريخ فتوحات ومعارك وغزوات وحصار  وهزائم جيوش وانصارات وسيطرة ونفوذ لا حد لها .
ام تنتقل إلى اسطنبول المدينة السياحية الأشهر بخليجها الرائع وتلالها الشهيرة وشواطئها الكثيرة المختلفة الطعم واللون .
تحتار ... هل تحكى عن اسطنبول مدينة التسوق النموذجية الأشهر بمراكزها التجارية الضخمة و تزاحم اشهر العلامات التجارية فى ميادينها وشوارعها . أم تحكى عن اسطنبول ذات المطبخ الخرافى أعتقد ان تذوق الأكل التركى فقط هو سبب وجيه جداً لزيارة تركيا

كل ما سبق يرسم لوحة شديدة الأبهار لبلد أسمه تركيا يقدم خلاصة تجربته وايداعه فى برواز أنيق ورائع أسمه اسطنبول .

 الأسطنبوليين وهو مصطلح مشهور فى تركيا ويطلق على أهل اسطنبول الذين نتحدر غالبيتهم من نخبة العائلات العثمانية العريقة  وحاشيتهم  التى عاشت فى ظل الأمبراطورية القوية . اسطنبول تعنى لهم الماء بالنسبة للسمك لا يستطيعون ولا يرغبون فى العيش خارجها ...
سائق الأتوبيس السياحى الفاخر الذى أقلنا فى رحلة مغادرتنا من الفندق للمطار قال لى ببساطة "هنا فى اسطنبول "عندما سألته اى بلد تتمنى ان تعيش فيه .. باريس ؟؟ لندن ؟؟ امريكا ؟؟ استراليا ؟؟ . قالها وهو قانع جدا و مطمئن جدا
لا اعرف كم مصرى سنسأله نفس السؤال ويرد بنفس الاجابة .. !!

يقول اهل اسطنبول عن مدينتهم .. أنه لو كانت للدنيا عاصمة واحدة لكانت اسطنبول . هم شديدى الفخر بمدينتهم . هى فعلا تملك مقومات عاصمة العالم من حيث موقعها الجغرافى فهى مدينة يخترقها خليج البوسفور الواصل بين البحر الأسود وبحر مرمرة  ويقسمها هذا الخليج إلى جزءين اسطنبول الأسيوية واسطنبول الأوربية واسطنبول الأوربية ايضاَ يقسمها خليج القرن الذهبى إلى اسطنبول الأوربية القديمة واسطنبول الأوربية الحديثة ويعيش فيها حوالى 12 مليون تركى وكما ذكرت هم شديدى الفخر بمدينتهم و لغتهم أيضاً , الأتراك فى الغالبية لا يتحدثون ولا يرغبون فى التحدث بأى لغة غير التركية .. يوجد القليل يفهم ويتحدث العربية ولكنه لا يستخدمها وكذلك الأنجليزية .. غير متداولة كثيراً هناك . هم لا يفخرون بلغتهم ومدينتهم فقط .. هناك فى تركيا أمرين يصلا لمرتبة القداسة .. علم الجمهورية و مصطفى كمال اتاتورك . بسهولة جداً تكتشف وانتا تتحرك فى اسطنبول قيمة ومكانة العلم فى نفوس الأتراك . تراه على كل الشرفات وتراه على واجهات المساجد والشركات والبنوك تراه معلق على السيارات العامة والخاصة , تراه مزهوا نظيفاً لامعاً براقاً , الاهتمام بالعلم التركى يفوق الوصف والتعبير
ومصطفى كمال اتاتورك ايضا من المقدسات .. صورته لن تغيب عن عينيك مهما حاولت وتعمدت الهروب .. انها تلاحقك فى الميادين والشوارع وعلى المبانى وعلى جوانب الكبارى . هم يقدسونه فعلاً وينسبون الفضل إليه فى كل ما وصلوا إليه الأن , الأساءة بالقول لمصطفى كمال اتاتورك هى فعل مُجرّم فى القانون التركى يعاقب مرتكبه بالحبس  و سرير اتاتورك  الذى مات عليه وغرفه نومه التى مازالت بحالتها فى قصر دولمة باهتشاه على ضفاف البوسفور تحولوا لمزار سياحى شهير جدا فى اسطنبول ولا ينال ذلك من فخرهم الشديد ايضاً بامبراطوريتهم العثمانية وعهد الخلافة حيث يتطوع اى تركى بالقول " انا عثمانلى " عندما تسأله عن رايه فى عهد الخلافة الأسلامية والدولة العثمانية عموماً .. ولكنهم يرغبوا فى الأثنين عصر الدولة المزدهرة والخلافة العثمانية والتى تضم إلى جوارها العديد من الدول  (نفس السائق عندما ذكرت له أنى من مصر اجاب فرحاً مصر اختنا الصغيرة وتابعة لنا !! ) وأيضاً الجمهورية الجديدة  وماصاحبها من تغريب أقسى وافدح مما تم فى عصور تركيا السابقة والتى خلصتهم من كل أثام ومفاسد السلطنة فى اخر ايامها

بمناسبة قصر دولمة باهتشاه ( الحديقة المحشية )... هو احد عجائب الدنيا فى رأيى .. قصر باذخ الترف والفخامة والثراء والإبهار تدخله شخص وتخرج شخص اخر من كم ما رأيت من أبداعات واساطير داخل القصر الفخيم . القصر بناه السلطان عبد المجيد الأول وكان بناءه نذير بأفول الامبراطورية حيث تكلف ما يعادل 35 طنِ من الذهب. وأستخدمت أربعة عشر طناً من الذهب ضمن بناء القصر لتذهيب سقوف القصرِ وذلك فى عز ازمة الامبراطورية وانتشار الفقر و الجوع فى ربوعها حيث حذره وزرائه انه ستقوم ثورة جياع فى البلاد حيال قيامه بالعيش فى قصر مثل هذا .. وفعلا لم يسكنه أبداً حيث أنهارت الأمبراطورية فعلاً ليدخله مصطفى كمال اتاتورك ويحكم تركيا من خلاله إلى ان توفى فيه ويقال أن ساعة غرفة نومه كانت تشير للتاسعة وخمس دقائق صباحاُ وقت وفاته وحزناً عليه لم يتحرك عقرب الساعة إلى اليوم من ساعتها ... رأيت هذه الساعة المبهرة


قصر دولمة باهتشاه
اسطنبول عاصمة تركيا الثقافية والتجارية والسياحية . اما أنقرة فهى العاصمة السياسية ويوجد بها البرلمان ومقر رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية ومعظم الوزارات والسفارات بطبيعة الحال .. اختيار أنقرة يرجع لمصطفى كمال اتاتورك حيث رأى انه من الخطورة اختيار عاصمة تقع على طرف البلاد وتصبح عرضة للسقوط فى حالة اى غزو خارجى بما يعنى سقوط الدولة وبذلك انتقلت العاصمة الرسمية من اسطنبول إلى أنقرة
وللحديث بقية

مصطفى الشوربجى
لالالى - اسطنبول
فى 4/11/2011

الخميس، 1 ديسمبر 2011

صالون بيتنا


الصالون فى بيوتنا المصرية له مكانة عظمى , على طول مترتب ونضيف وجاهز لأستقبال ناس مش عارفين هيجيوا أمتى

 الصالون حاجة والشقة حاجة تانية , صالون بيتنا قطعة من الجنة اما باقى الشقة عبارة عن كراكيب وعيال صغيرة وزحمة واكل واقع

على الأرض وصوت عالى ودبان

كان تملى بيفصل بين الأتنين ستارة ثقيلة تصنع حد فاصل بين المزيف والحقيقى

 الصالون المزيف بنضافته وترتيبه والبيت الحقيقى بزحمته وفقره وكركبته ...

دايما كان عندى شعور مش لطيف تجاه الصالون . مش بحس انه حتة من شقتنا اه الصالون جميل وهادى ونضيف ومترتب بس مش

دى الحقيقة الحقيقة دايماً ورا الستارة

جالنا ضيف تقيل حبتين اول كام يوم كنا فرحانيين بيه وبنقدم واجب الضيافة كما قال الكتاب ولما فضل بدل اليوم 2 و3 و4 بدأنا نزهق

ونسأل نفسنا هو هيمشى امتى وهو ولا هنا ولا  حاسس بأى حاجة ولا قادر يفهم اننا زهقنا منه .. او فاهم بس مش همه ومقضيها

طناش  ومع الوقت وصلنا لأخر صبرنا منه وقررنا نقوله كفاية كده وعملنا دوشة كبيرة وطردناه وفى اللحظة دى الستارة اللى فصلت

بيتنا عن الصالون اتفتحت والحمد لله الضيف مشى بس الستارة اتفتحت وأتحول الصالون لجزء من الشقة وبقى اخر كركبة وفوضى

وبقى جزء من الشقة  فعلياً مش زى زمان

مش لازم نتكسف من نفسنا أومن أمراضنا و وصول الكركبة والدوشة والعيال لأوضة الصالون حاجة صحية عشان نعالج امراضنا

صح ماهو لازم برضه نعترف اننا مش منظمين ومش نضاف وفى عندنا حاجات كتير وحشة  

انا حاسس اننا هنقدر نخلى الشقة كلها صالون ومش هنستقبل الضيوف فى الصالون بس ...

لا شقتنا كلها هتبقى صالون 

الأحد، 25 سبتمبر 2011

خواطر سكندرية ...


 اســكـنـدريـــة ...
بروحــها و ريحتها و أسامى مناطقها و محلاتها و تضاريس شوارعها  وتاكسياتها الصفرا فى اسود ووشوش ناسها و بحرها
حــــالة تانية
لما تلمس الكوزموبوليتان بأيدك ...


فى منطقة أبو قير القديمة , و تحت لافتة الجمعية التعاونية للعاملين بشركة التمساح لبناء السفن  , وحيث ان كل البيوت ثلاثة ادوار على الأكثر بخلاف جل عمارات اسكندرية التى تناطح الأن ناطحات سحاب نيويورك بقباحة منقطعة النظير , وحيث البحر لأول مرة مفتوح مجانا للأهالي يعنى اي حد يجيب كرسي ويقعد على الشاطىء  , ووسط مطاعم الأسماك المصرية الشكل والأسم وحيث ان وشوش الناس كلها بسيطة ومتشابهة لحد بعيد 
وسط كل هذا وذاك 
تأكدت تماما أنى سافرت لمصر الستينيات ولكن .... 
ثمة إعلان مطبوع على أحد الجدران  " حزب النور السلفي ...... دولة عصرية بهوية إسلامية " 


جالسا على كرسي بحر خشبي ويكاد الموج وهو يمارس وظيفته الأبدية و الوحيدة يلامس قدمي , سارحا مستمتعاً بلانهائية البحر فى أمتداده السرمدى إلى أن يصل لملامسة السحاب , مستغلاً هذا المشهد الفردوسى التكوين فى شحن طاقة الروح والبصر ومنتظرا حتى تعلن نفسي كفايتها أو هكذا أظن . 
حتى جاءت البيبسى الإمبريالية التى ما أن بدأت فى شربها و إمتلأ بيت الداء حتى تعطلت كل مراكز تذوق الجمال فى نفسي وتوقفت تماماً عن أداء مهامها المقدسة 


جامع سيدي بشر , فندق رمادا اللي بقى اسمه مارتيم , قهوة ابو عجيلة اللي مش بتشغل غير فيروز و اللى مش بينقطع من عندها الهوا والطرواة فى أى وقت من السنة , و شيشة المعسل اللى مفيش زيها مثيل على الكوكب , وبيتسيريا حسان لما تبقى عاوز تفطر وتتغدى وتتعشى فطير بالجبنة الرومى , وسنترال سانتا ماريا , وأخيراً الجامع الصغير المكيف الفخم جداً وتخيل لما يكون على كل حوض وضوء صابونة دوف وبدى لوشن جيليت و أمام الجامع يستقبلك بعد الوضوء مبتسماً و فى أيده ازازة المسك وبيقولك خد عطّر نفسك وهدومك ( الكلام ده بيحصل فعلاً ) , لما تصلى وانت فى قمة السلام النفسى وراحة البال وتحس انك لو مُتّ دلوقتى هاتدخل الجنة ... 
كل دى ذكريات عمرها دلوقتى اكتر من 10 سنين ولسه قادر أعيشها بنفس تفاصيلها لحد النهاردة 
.... من على قهوة ابو عجيلة الساعة 4.30 العصر وفــ ايدى رواية الذكريات الصغيرة لساراماجو وبصحبة أحلى شيشة معسل فى الدنيا و فيروز بتنادى وتقول سألتك حبيبى ....

. 

على الضفة الجنوبية للبحر المتوسط و بصحبة سيجارة لايك سترايك و برفقة كتاب مأزق الحركة الشيوعية - الجذور التاريخية والخيارات المستقبلية 
عايش حالة فريدة من الأستمتاع 


عن تجربة ...
شىء مثير و ممتع جداً أنك تتفرج على فيلم عربى قديم من غير صوت ... صورة بس 
منتظراً انا طبق العشاء فى مطعم الأيليت بمحطة الرمل 


                                                                                                                            مصطفى الشوربجى
                                                                                                                      الأسكندرية فى سبتمبر 2011

الأحد، 28 أغسطس 2011

نفسى أروح كسلا ..

                           بين نهرالقاش وجبل التاكا تنام كسلا 


أول ما يكحِّل العين وهي تشارف على مدينة كسلا ، سحابةٌ ترسل أذيالها على نواصي جبل التاكا الثلاث ، لا تبرح مكانها وتظل تدور حولها وهي تغمض عينيها خجلا ، وتجود بدمعها أمطاراً ناعمة تغسل حجارة الجبل الملساء فتكتب للعشاق صفحة غرامٍ أخرى ، وهم يخطون في وداعةٍ عبر مساربه الكثيرة لبلوغ إحدى قممه ، وجبل التاكا أكثر جبل سوداني رسم لنفسه هالة الحب والعشق في نفوس زائريه – يقاسمه جبل مرة وجبل البركل بعض العبق – في بلد تفاخر بسهولها الممتدة كأوراق ( الفلسكاب ) البيضاء تنتظر فقط أقلام الترابلة لكتابة الجهد والعرق حتى يوقِّع الماء عليها مزارعاً تسد عين الشمس وشتولاً تخيط المساحات بإبر الخضرة والعبير ، كان الصبية قديما حين كانت المدارس ، وقبل أن ترحل مع مواسم الأمل ، يحضرون ( فتايل ) الدواء الفارغة لصرف الحبر يوم السبت من كل أسبوع – على أيام قلم الشطَّافة - والآن يحضر المزارعون ذات الفتايل لصرف ( الجزلين ) لتحبير تلك الأوراق الممتدة لذا فإن كتابة الترابلة لا تزال على رأس الورقة فقط ، وما بين الكلمة والكلمة ينفضون القلم عدة مرات في زمنٍ مزَّقتنا فيه الفواتير - وأهل كسلا يعرفون أن من تقوده قدماه إلى إحدى القمم الثلاث ، وأكثرها دنوُّاً من الأرض ويشرب من نبع (توتيل) الذي يخالف قوانين الفصول ويظل كما يشتهيه الزائرون ، يتفجّر عيوناً تغسل الحجارة ، وناعم الرمل ، والخواطر المسروقة بروعة المشهد ، لا بدّ وأن يعود إليه ثانيةً ، وكثيرٌ من الشواهد تؤيد أساطيرهم هذه بعودة الزوَّار ولو بعد حين ، يبدو الجبل في ثلاث قممٍ سامقة تتسابق فيما بينها لتمنح الوجود لوحةً نادرة الجمال ، والجبل كله عبارة عن صخرةٍ كبيرة ، لامعة ، مغسولة ، تتخلل تعرجاتها شجيرات صغيرة ، يبدو الندى على أوراقها كسبحةٍ نثرتها الشمس على هامة الجبل البيضاء وسالت بغير نظام على وجوه الشجيرات وسكنت ، لا تكاد تغيب طيلة أشهر السنة وتتجمل في الخريف مع تفتق الزهور ومواسم الشعر والخصب والإلهام ، تقف كل الفصول تغني للياليه الأنيقة ...
أرجعيلن
يرجع الطير لي غصونك ويرجع الدم للأغاني
ينجبر خاطر الليالي الشايلة آهاتك معاني
ينطلق ضهر أغنياتنا ونملا بيك الكون أماني
رجعي الضو للمداين… ولون غناك لأوتار سجينة
للعصافير ريش جناحا ……… … وهدهدي الفرحة الحزينة
وركّي فوق لمة غمايم …………… قمرة في كتف المدينة
وهي – قمم الجبل الثلاث - أقرب منظرٍ من كل زوايا المدينة وأقرب عشقٍ من كل ملامحها ، وأبعد أثراً في نفوس زائريها ، وكانت سبباً في حالات الوجد التي زينت جيد أغنيات أهل السودان ، والكل يردد ( حبيت عشانك كسلا وخليت دياري عشانك … وعشقت أرض التاكا الشاربة من ريحانك ) وكل ما مرّ في طرقاتها عبر الذاكرة أهلها وهم يهوِّمون في غربة العاصمة كلما اهتاجت بداخلهم أشواق القهوة والشعر الكثيف الذي يخفي ( الخلال ) على طوله ويفيض ودكاً ورائحة ( كاسلا .. كاسلا .. أنا قلبي سافرا ) ، وثمار المانجو في كسلا ومنذ زمان بعيد أروع وصفٍ لمحبوبةٍ تسكن جراح وحروف مغنيها ، وظلّت حدائقها الغنّاء تبالغ في زيّها الأخضر الجميل الموشّى بيانع الزهر وناضج الثمر والمطرّز برائع الورد ، حتى اصبح الناس يفتتنون ببصلها – ولبصل كسلا سمعةٌ نافذة – ناهيك عن برتقالها و( والموز أبو نقطة ) وأنواع المانجو والبلح التي تحرج بقية الأمصار و الأرياف ، تنام الحدائق على طول المدينة وعرضها مفتوحة العينين والورود ، وتصحو على خيوط الندى يرسم عالمه على ثياب النساء وجلابيب الرجال وهم يبدءون موسم القطف صباحاً قبل الدخول للسوق التي لا تعرف لها مدخلاً أو مخرجا ، كلها أكوام الفاكهة وشلالات عطر البرتقال والجوافة بلونيها وحمرة القريب فروت المميزة واصفرار المانجو ذات الأسماء والروائح والطعم المختلف ، تدهش الزائر حين يؤتى إليه بها متشابهة ، والسوق ضاجة الحركة تبدو عربات ( الكارو ) الصغيرة تجرُّها الخيول معطونةٌ بالرائحة واللون وتداخل الطعم ، بعضها ارتكز على جدران دكاكين ( غرب القاش ) الصغيرة يفعل الزمن فعله في طينها القديم ، نادرا ما ترى الطوب الأحمر ، في انتظار ذهابٍ قريب للحقل المتورّد بأكوام الفاكهة وأصوات النساء ، وبعضها انشغل مع خيولها في التلفت صوب نداءات الباعة المنتشرين ، تصدر عجلاتها أزيزاً دائماً ، ريثما يفرغ الحمّالون المقاطف من على ظهرها ، وأصوات الباعة موسيقى أخرى تغمض الأجفان وتفتحها على عوالم جديدة للروح مفسحةً المجال أمام وجد الصوفيين الذين يقف بينهم وعلى مقربة من الجبل الملهم (ضريح السيد الحسن) ، سقفه السماء ، يقولون أن غارةً (طليانية) أخذت سقفه في ما مضى ولكن الأنصار أيضاً خلوّ بينه وبين السماء دونما يقصدون ، وظل يطالع النجوم من صحن داره ويتوق لسحبٍ تغازله دون أن تبلل (بروشه) الناعمة ، يغسل بدموع مريديه ، أحزانهم وكل طوارق حياتهم.
وكسلا التي تحنو على الريف بداخلها حنواً عميقاً وهو يهب سوقها حياة الجنان وروعتها ، تبدو كمدينة وسيمة الشوارع والأبنية ، أنيقة العمران ، رشيقة حركة المواصلات ، تصطف على خطوط مواقفها الكثيرة حافلات الركاب الصغيرة ( كانوا يسمونها البرينسات ) وباصات الضواحي بأبواقها المميزة ، وتطل على نهرها العظيم الحدائق دائمة الشباب ، تكتب مع أرتال المحبين صفحات الغرام الزاهية ، وقاعاتٍ حكومية وشعبية تضفي على المكان المخضر ألوان أخرى ، والنهر يرقد على شاطئيه الخضر يتأمل الجسر المعلّق فوقه تمرّ عبره حكايات المدينة وسنين وروايات تاريخها الطويل ، والأحلام التي تحيط بمستقبلها ، وهو يضع يداً على يد تحت رأسه ويقرأ كتاب ماضيه ، وعلى مقربةٍ من الجسر الجديد يتأرجح الجسر القديم متأوهاً مع كل حركةٍ على أيام مجده الغابرة والنائمة في أذهان رفاق مشواره من أهل المدينة ، ومتألماً من وقع الخطا على ضلوعه الواهنة يستند فقط على عناية الله.
ومدينة كسلا من المدن السودانية الفريدة التي اختلط أهلها من قبائل الشرق الكثيرة مع قبائل السودان متباينة السحن واللسان والثقافات متفقة السماحة والطيبة وحلو الجوار ، وكذلك تسكنها مجموعات كبيرة من الجاليات ، أصبحت جزءً من تكوينها الإثني والثقافي ، مجموعات كبيرة جاءت من الهند وجعلت لنفسها حياً منفصلاً ( الحي الهندي ) لا يزال يُقفل ليلاً ويُفتح نهاراً ، ينغلق على ذاته بمدارسه وأنديته بأبواب وجدران كبيرة ولكنها ظلت تسرب عبر سمائها المفتوح ثقافتها وتستشف تراث وحضارة المدينة الجميلة ، وتتفاعل معها بذات روح أهلها ، تميزهم شعور نسائهم شديدة السواد والطول ، ولثغة اللسان الآسيوي ، ومحلات بيع القماش والعطور التي تملأ السوق ، والموتوسيكلات التي برعوا في قيادتها ، يذوبون في سودانية الطبع لا يملكون تغيير سحنات آسيا ولكن نهر القاش بدأ يعمل على تغيير لون شعر أبنائهم ويكسوه بحمرة رقيقة ، لسانهم أسلمته الليالي إلى اللهجات المحلية لا يذكر من أمر (الأوردو) وصاحباتها شيئا ، وكذلك تسكنها الجالية الأثيوبية والإرترية تتفق معها في كل شئ عدا اللسان ورويداً رويداً تزول غربته ، وينتمون لكسلا المدينة الدافئة كامل الانتماء.
ومن أشهر أحيائها حي الختمية تسكنه قبائل الشايقية والجعليين والهدندوة ، يبدو كسودانٍ مصغر يقف خلفه الجبل بشموخه ونسمات فضائه العريض متأملاً في ملامح المدينة التي تنام وتصحو بين يديه وتتقافز القرود على أعلى قممه الثلاث ملاعبةً الأطفال والشباب ، متطلعة إلى تجوالٍ قريب بين حدائق الموز المنتشرة على جنبات نهر القاش المتمرد ، تحوّله ليالي الصيف إلى رمالٍ تكسو الرمال وذكرياتٍ تحكي الأمس والماضي وضفافٍ تلعق الصبر في انتظار قطرات ماء تبلل حلقها الجديب ، ولكنه وحين الخريف يأتي مارداً يسوق أمامه عنفوان الشباب وتمرده ويقضي دائماً على مساكن حي غرب القاش الصغيرة ليمنحهم القدرة على خلق بيوت أوسع قد يمحو آثارها حين عودته القادمة ، وما بين نومته وهياج صحوه تخلق كسلا حياةً كاملة الجمال والخضرة تلتقي كلها عند شاطئيه عصراً ، صغاراً وكباراً ، وللمحبين على رماله أسفارٌ من الوله والشوق ...
على الرملِ
كان القاش يبذر أغنيات الحبِّ في الأحداق
فتنبت وردةً حمراءَ
تأخذ شكل هذا القلبْ
وكانت لوعة العشّاقْ
تنام على سرير العشبْ
على الرملِ
زرعنا الوعدَ باللقيا
وبتنا طيَّ هذا العشقِ أغنيتينِ من أشواقْ
وحين تبدأ الشمس سفرها اليومي تسكن أصوات العصافير آذان المدينة زقزقةً وانشراح ، والليل فيها موائد النسيم وسحره ، عبر ممرات السواقي الضيقة كثيرة التعريجات إلى أن تلفّك الوحشة بكامل سطوتها ، تلتقيك المساكن ، تبدأ أصوات ساكنيها تكسر عنك رجيع الهواجس فتتناسى الأغنية الباهتة التي كنت تدخرها لرعشات الخوف هذه وصوت أرجل العالم كلها تخطو وراءك وأنت ( تعصر وتخبّ ) وتكاد تطير ، الأطفال يلعبون لعباتهم الشعبية المحببة والرجال يتسامرون قرب دكان الحي متقد الذاكرة والطرفة والحضور وفوانيس الجيران وكهرباء المدينة ( الما مضمونة ) والشباب يستفزون قدراتهم كلها في مجالس أنديتهم المختلفة.
وفي حي ( السكة حديد ) يجتمع السودان في توادد الأهل ونبل الأصدقاء ووداعة الأحباب ، تكاد بيوته دائرية الغرف وفناءات الدور تكون داراً واحدة تطل عبر جدرانها أوراق أشجار الجوافة والليمون وعرائش العنب التي تطول على ظلالها الوريفة جلسات القهوة وأحاديث الظهيرة المخلوطة بالنعاس اللذيذ والإرهاق ، ويسطع فيها نجم الراديو تغسل أغنيات برامجه النهارية أوجاع الحقل وأعباء السوق ومسؤوليات المنازل الكثيرة ، ومن جميل ما يميز كسلا أنها لم تسلب ساكنيها من بقية القبائل ومناطق السودان وحتى خارجه ذواتهم ولم تترك ثوبها هي كذلك ، تجد عبر ليلها المملوء أشجاناً وأفراحا ، نقارة أهل الغرب وطنبور الشماليين وباسنكوب الشرق وشعورهم الطويلة التي تشكو تغوّل الزيت الدائم عليها ، وتجد في قلب المدينة أوركسترا أهل الوسط وكلها محضورةٌ دائماً ، عامرة تفيض إلفاً وقربى ، وفي السوق الكبيرة بوسط المدينة ، تنتظم أكوام الفاكهة المبعثرة في سوق غرب القاش الصغيرة ، على مناضد خشبية مختلفة الألوان والأسماء تأخذ زينتها عند كل صباح بعد غسلها ورصها في أشكال هندسية جميلة ، ولكنها تحافظ على سعرها الزهيد في السوقين ، ولو أنها تبدي بعض الغلاء بوسط المدينة لحرص زوّار المدينة من عرسان السودان الذين يحجون إليها على شراء فاكهتها المشهورة حين عودتهم إلى مدنهم ، وتسيطر على مطاعمها وجبات أهل الشرق الرئيسة يبدو ( السلات ) وهو عبارة عن لحمٍ ينضج على حجارة محماة بالنار في كامل دسمه واحمراره الشهيّ ، ويتألق ( القُرار ) اللحم المحشو في ( مصران ) الخروف ، لكأن كل توابل الحضارات مزجت بخلطته وكل قوائم الطعم اصطفت عند ضفة حجارته المتقدة فلا تكاد تشبع منه ولا تكاد تخطئ نظرة النصر في عيون الطاهي وهو يهبُّ ناره ويغني بابتسامته التي تفوق الضحك بمراحل ، يصاحبها بأغنياتٍ محببة وبعض رقصٍ يهزّ فيه رقبته بمهارة فائقة ، ولكن الفول يظل ملمح كل المدن السودانية ، يزيده السمن البلدي حضوراً في مطاعمها البلدية التي لا تفتر عن تقديم وجباتها طوال اليوم وتضجّ قربها المقاهي تقطع سكون الليل بأنفاس الشيشة وبخار الشاي ورائحة القهوة وونسات السمّار ، تتميز مقاعدها الخشبية باللونين الأخضر و(اللبني ) مع سواد اتساخٍ يطليه بها الزمن والناس ، وهي من أميز ملامح المدينة تجد فيها أخبار العالم ونتائج مباريات إستاد كسلا المفضوح بارتفاع الجبل ، يتحد فيها الصبر والأمل والحب والرغبة وتتطاير الأحلام مع لفافات دخان الشيشة وينجو العقل ببعض خدرها من التفكير في الواقع المر ، والطريق السريعة خارج المدينة لا تنتهي بعد خروجها إلا إلى حدائق وسواقي وضواحي كسلا التي تملأ سوق غرب القاش بالحياة ، وتمتد مدّ البصر أحزمة الخضرة حول المدينة حتى لتكوّن على جيدها وشاحاً من الخضرة والجمال عقده الجبل الذي لا تبرحه سحاباته وذيولها الضبابية وقروده التي تغيب ساعات العصر حين يضجّ الجبل باللقاءات وتبدأ بعد الغروب في ملء أسماع المدينة بأصوات ألعابها وبهجتها الممتد عبر أزمانٍ وأزمان.
لا تكاد تغادر مدينة الجمال المتجدد تلك إلا وتلتفت صوب ذكرياتك فيها تطالع الجبل وهو يودعك بجبينه المغسول وسحاباته الدامعة ، حتى تغيب عنك ، فيبدأ القلب عندها في التلفت والشِعر يحوّم حولك " كسلا أشرقت بها كأس وجدي " قبل أن يغنيها الكابلي ويبدل الكأسَ بالشمسِ لاعتباراتٍ لا تخصّ المدينة ، ولا حالات الإلهام العميقة ، ويظل الجبل يقاطع المسافاتِ وأنت راحلٌ عنها حتى لتظنه يتبعك وهو غارقٌ في عشقه حتى أخمص حجارته ، وتتقد بينك وبينه لغة الهوى فتنام على أشجانك ويصحو الغناء

بقلم / أسامة معاوية الطيب