الأربعاء، 27 يونيو 2012

ويسألونك .. لماذا السودان ؟؟

"يطلق لفظ السودان على كل الاراضى الواقعة جنوب خط دائرة عرض 22 ".
وكان هذا أهم نصوص أتفاقية الحكم الثنائى المبرمة فى 19 يناير 1899 .  وهذا الخط هو حد إعتباطى لم يتم إختياره على أى أسس أجتماعية أو ثقافية أو عرقية . فهو يشطر أرض النوبة الموحدة أجتماعياً وتاريخياً و إثنياً إلى شطرين , ينتمى كل نصف فيهم إلى قطر مختلف . ولو أخذت هذه الأعتبارات التاريخية والثقافية والإجتماعية لتم رسم هذا الخط عند الشلال الأول وانطوت إثره منطقة النوبة بأكملها داخل البنية السودانية , أو تم رسم الخط عند الشلال الرابع عند دنقلة وبذلك تقع النوبة كاملة غير مبتورة تحت العلم المصرى .
ولا أحد يعلم على وجه اليقين كيف ولماذا اختار كرومر خط دائرة عرض 22 لترسيم الحدود بين مصر والسودان المصرى كما كان يسمى وقتها . ولكن الذى حدث أن رغبة كرومر والتى لم تخطر على بال أحد قد تحققت . ومثير جدا ملاحظة كيف كان مجرد قرار قائد عسكرى انجليزى يؤثر فى حاضر ومستقبل أمة موحدة منذ مئات السنين

خريطة توضح خط 22 وتظهر فيه الإنحناءة الشهيرة بسبب تعديل مارس 1899

والإثارة لم تنتهى بعد ..
فى مارس 1899 وبعد توقيع أتفاقية التقسيم بشهرين فقط أرسلت وزارة الداخلية المصرية فى 26 مارس 1899 خطاب إلى " محافظة النوبة " الحدودية بشأن ترسيم حدود السودان .. جاء فيه .. " أطلعنا على خطابكم رقم 14 بتاريخ 14 مارس 1899 بناءاً على التماس قمندان وادى حلفا وتنفيذاً لأتفاقية المبرمة بين صاحبة الجلالة البريطانية ملكة إنجلترا  والحكومة المصرية بشأن الحدود الفاصلة بين مصر والسودان , وذلك لتنفيذ بعض التعديلات على الإتفاقية وعليه تمت الموافقة على التنازل عن قرية فرص للسودان عدا 3 أفدنة وقيراطين و85 شجرة نخيل استبقيت داخل الحدود المصرية وضمن اراضى قرية ادندان النوبية , وذلك بالاضافة إلى5 قرى كاملة هى على الترتيب سرة شرق وغرب ودبيرة واشكيت وارقين .
وتتجلى هنا فصول المأساة بحق .. حيث كان بوسع موظف عمومى صغير فى  معتمدية حلفا بجرة قلم فى طلب إلتماس أن يرسم مستقبل شعوب وان نتأرجح نحن الألاف النوبيين  على سن قلمه بين بلدين , فيكون نصيب بعض منا جنسية مصرية ويحظى البعض الأخر بجنسية سودانية .. ما المعيارلا أعلم .. وأظنه هو ايضاً لا يعلم .

 أعتقد أن الأن والسودان يشتعل بثورته الشعبية الثالثة خلال نصف قرن يجب علينا  كمصريين إعادة النظر إلى حقيقة علاقتنا بالسودان . علاقتنا التى لم تشغل بال العديد من المثقفين والسياسين المصريين على مدار مائة عام واكثر .
لا اعتقد ان احدنا وقف وسأل نفسه  ذات مرة اين تنتهى مصر واين يبدأ السودان ؟ كيف ولماذا ومتى أصبحنا بلدين ؟ و كيف ان كرومر كان بوسعه قبل يناير 1899 ان يضيف للمليون كم مربع او ينتقص منه ؟
 لم يندهش احد انه منذ قرن أو يزيد  كانت مصر غير مصرنا تلك .
نحن نوبيي مصر نعى تماماً تلك الإشكالية نعلمها كلنا ارداياً او لا إراديا . إرادياً وانا أكتب الأن تدوينتى تلك عن السودان ولا إرادياً حين يقف شاب نوبى فى العشريينيات من عمره فى وسط زفة نوبية فى فرح نوبى معتاد فى أحد شوارع القاهرة ليرقص بكل خيلاء على أنغام مزيكا السيرة السودانية .
فنحن وإن رُسمت على الخرائط خطوط وهمية تحدد من يصبح مصرى ومن يصير سودانى . إلا أننا لم ولن نستطيع فك الأشتباك فى دواخلنا ,ً ولن نستطيع  يوماً أن نحدد مواقعنا  بين جنسية مصرية وهوى سودانى , كيف ونحن جسد حى تم تمزيقه بين البلدين نصفنا يحظى بجنسية مصرية ونصفنا الأخر يحمل بطاقات الهوية السودانية . كيف وانا كنت فى يناير 1899 مصرى الجنسية واصبحت فى مارس من نفس العام سودانى الجنسية فقط لأننى كنت من أشكيت احد القرى التى اتنازلت عنها مصر للسودان .. كيف وأننا مازلنا نعيش حلم دولة مصرودان .
كيف ونحن عندما أردنا الأحتفال بفرحة إنطلاق ثورة 25 يناير لم نجد إلا طريقة تعبير سودانية وعلى أنغام مطربنا النوبى السودانى الراحل منذ شهور قليلة  محمد وردى فنان أفريقيا الأول 

الفنان فكرى الكاشف يغنى رائعة وردى اصبح الصبح

ونأتى للسؤال الذى أثار جدلاً  الفترة الماضية
لماذا كان أهتمامنا  كنوبيين  بثورة السودان ؟
وتعليقى الوحيد أننا  لو أعدنا قراة تاريخنا مرة أخرى بشكل صحيح وفقط تذكرنا ماذا كنا قبل مائة عام وبضع سنين أعتقد ان بنية السؤال ستتبدل وتصبح ..
لماذا أهملنا كمصريين  ثورة السودان هكذا ؟
يكفى فقط أن نطالع لافتات حملها ابناء الجنوب المنفصل والدولة الوليدة فى الوققفة التى تم تنظيمها أمام السفارة السودانية بالقاهرة وحملت بضعة  كلمات "  حلمنا .. سودان موحد بدون بشير "
هل نعى ما وراء هذه اللافتة .. هل ندرك ما ينتظرنا لو أعدنا قراءة خريطة ما قبل يناير 1899

أعلم أن كل شخص له مطلق الحرية فى تحديد أولوياته وأهتمامته ولكن وان أغضضنا الطرف عن أهمال بعضنا لثورة تقدمية بحق على بعد خطوات منّا ثورة تنتفض ضد حكم وتحالف إسلامى عسكرى فليس من اللائق ابداً أن نـُلام كنوبيين على أهتمامنا بثورة كان من الممكن جداً لو لعبت الخمر قليلاً برأس اللورد كرومر أن نكون أحد طلائعها أو شهدائها .


المجد للثورة وللشهداء فى كل مكان
من حى الجمرك شمالاً لحى الديم جنوباً 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصادر : كتاب هجرة النوبيين تأليف حسن دفع الله معتمد وادى حلفا والمسئول عن عملية تهجير اهالى وادى حلفا بعد بناء السد العالى وغرق المدينة تحت مياه بحيرة النوبة . 

الاثنين، 14 مايو 2012

عن باسم عثمان ومازن علاء .. أتكلم

مازن علاء وباسم عثمان  ..
هم أصدقائى بل من أعز أصدقائى رغم العمر القصير لعلاقتنا الذى لا يتعدى 3 سنوات بأكثر تقدير إلا إنهم باتوا  يحتلوا مكانة لدى لم يصل إليها كثيرون .
هم  لا يعرفون على وجه الدقة قدر إعتزازى الشخصى بهم ولا يعلمون يقيناً مدى تأثيرهم علىَّ و على  أفكارى وأرائى . بسببهم أصبحت أكثر ثراء وعمقاً وأدين لهم فى هذا بالكثير , بالفعل كانوا ملهمين لى فى كثير من الأحيان . بما أمتكلوا من ثقافة عالية وفكر قدير و قلم رشيق و الأهم موضوعية متناهية ..... ولذلك تحديداً  كتبت
مازن وباسم سوياً قاموا بصنع معجزة وأعادوا بعث جمال عبد الناصر من مقبرته فى مسجد منشية البكرى لقائمة المرشحين لرئاسة الجمهورية . تحولت أرائهم المتناقضة حول حمدين صباحى من مجرد رأى فى مرشح رئاسى إلى مشاعر متناقضة يحملها كليهما للرئيس الراحل .

باسم
باسم مؤيد لحمدين وخصوصاً بعد مقطع فيديو يتحدث فيه حمدين عن القضية النوبية ورأى باسم أن هذا الحديث هو الاكثر صراحة و وضوح عن النوبة من السياسين المصريين عموماً , ثم ارجىء رأيه لحين معرفة برنامجه الأقتصادى والأجتماعى الذى سرعان ما أعلنه بتأييده والدعوة لأنتخابه إلى هنا ... وموقف باسم محايد وطبيعى إلى حد كبير . إلى أن تطوع بالدفاع عن ناصر وناصرية حمدين والتى  فى رايى أحد أعظم نقاط ضعف وعيوب حمدين صباحى .. وتحولت المسألة إلى دفاع عن الزعيم والقائد العظيم الذى وجه ضرباته للأمبريالة وكل من  يكرهه فهم الخونة وعملاء الأمريكان بعد أن " علم عليهم " على حد تعبيره .
وباسم فى مسألة ناصر أعتقد أنه أبداً  لم ولن يكن موضوعياً فى حكمه لسبب بسيط وهو أنه يحب عبد الناصر بدليل قوله أنه يعلم إنجازاته وأخطائه ولكنه سيظل الزعيم والقائد لأنه وكما قال يحبه بشكل شخصى جداً وهذا الأعلان عن المشاعر الشخصية يجعل من الموضوعية فى الحديث عن ناصر ثمة وهم وسراب . والحقيقة أن ناصر وكما كان عظيماً فى أنجازاته وأعاد مصر للمصريين إلا أنه كان عظيماً ايضاً فى أخطائه .. ببساطة ناصر ارتكب جريمة فى حق النوبيين والانسانية كلها بلا أى مبرر وبدم بارد ناهيك عن جريمة قتل الديمقراطية وعزله لمحمد نجيب وتغيبه عن البشر لأكثر من 30 عام لمجرد مطالبته بعودة الديمقراطية ناهيك ايضاً عن هزيمة نكراء اضطررنا بعدها لوقف كل خطط التنمية وتوجيهها لاصلاح ما افسدته الحرب ومحاولة أسترداد الأرض


 أنا شاهدت الفيديو الذى تكلم فيه حمدين  ورأيى أنه تكلم بشكل معقول عن الحقوق القانونية لنا فى الأرض والتنمية والعودة لبحيرة النوبة واضاف كلمة احترام الخصوصية الثقافية للنوبيين فى اطار الوطن الواحد .. أعترف ان حديثه عن الحقوق الثقافية والعرقية  لم يكن على الوجه الامثل الذى يرضينى شخصياً ولكن كلماته هذه لا تشيطنه ولا تجعل منه دراكولا النوبيين  أعتقد - ومازن أكثر دراية منى بهذا الامر - أن تلك المسألة تتوقف على الدستور الذى لن يتدخل فيه الرئيس بخط قلم ولا يعنينى موقفه طالما يوجد دستور ينظم ويرسم شكل علاقتنا بالدولة . واضرب هنا مثالاً ماذا لو أتى رئيس يؤمن بكافة حقوقنا الدستورية ولكن الدستور نفسه لا يذكرنا ؟؟ فليأتى رئيس قومى وفاشى وعروبى وبه كل الصفات ليحكمنا فى أطار دستور يكفل كل حقوقنا . أعترف أيضاً أن أكثر المرشحين أحساساً بمشاكلنا وتعبيراً عن مطالبنا هو خالد على .. ولكنى ارى أيضاً فرصه شبه منعدمة واللعب على فرس رهان خاسر مش نصاحة فى رأيى خصوصاً لو الخصوم من ذوى المشاريع الاسلامية والنسخ الكربونية من نظام مبارك

مازن
مازن ايضاً قام ببعث عبد الناصر وبنى رفضه لحمدين على أن عبد الناصر هو المتهم الأول والأخير فيما حدث لنا فى النصف الأخير من القرن الماضى بعد مشروع السد العالى وهو من تسبب فى محو هويتنا وفقداننا لارضنا وتراثنا وتاريخنا "ومازن هنا منصف بحق"  وبما أن حمدين هو الأخر  ناصرى وقومى فأعتبر مازن أنه  لابد أن كل من يؤمن  بهذه العقيدة هو بالأساس رافض لفكرة التنوع والتعددية العرقية والثقافية و أعتبر أن حديث حمدين  فى الفيديو المنشور عن القضية النوبية طق حنك وكلام ساكت لا يؤخذ عليه ولا يعتد به , رغم ان تلك المقاطع المنتشرة على الشبكات الأجتماعية أصبحت ديناً على صاحبها و أعتقد فى رأيى انه لا يملك الرجوع عنها وإلا فقد مصداقيته . كما أن لا أحد الأن يملك ترف التعصب لأنتماؤه الايدولوجى .
ومازن رد على هذا الفيديو و أسس لرأيه بمقطع فيديو أخر لحمدين صباحى  قام بمحاورته فيه حمدى سليمان أحد النشطاء المحسوبين على القضية النوبية وذلك خلال مؤتمر خاص بالنوبة عقد فى نقابة الصحفيين وكنت وقتها ضمن الحضور وتحدث فيه حمدين صباحى عن الحقوق النوبية  وكان وقتها المرشح المحتمل الوحيد للرئاسة الذى حضر ذلك المؤتمر

وبعدها قام مازن  بأستدعاء كلمات عبد الناصر تحت تمثال رمسيس الثانى بأبو سمبل وأراد من خلالها تذكيرنا بالوعود التى سبق قطعها ولم تنفذ .  وذلك بعد أن ارتفعت حمى الجدال بينه وبين باسم وأرى ان مازن هنا سبقته عاطفته وهذا من النادر حدوثه من مازن خصوصاً

  والفيديو الثانى المشار إليه شاهدته ايضاً  ورأيى فيه أن حمدى سليمان كان عصبياً و متوتراً و مستفزاً بشكل يفوق الوصف وأمتلك من قلة الذوق والجليطة الكثير والكثير فى تعامله مع من يعتبر ضيفاً علينا فى نقابة الصحفيين وظل يناور ويناور ويصر ويلح بشكل غريب جداً  حتى أنه اثار أستياء من حوله من النوبيين أنفسهم . و أعتقد أن حمدى سليمان كفيل وقادر تماماً على تقبيح كل مطالبنا بطريقته هذه  ولعل تلك فرصة لأقول أن كم من قضايا عادلة وواضحة تخسر فى ساحات المحاكم بسبب من تصدوا للدفاع عنها  .. وحمدى سليمان محامى فاشل بجدارة  فى قضية سهلة و بالغة العدالة والوضوح . 

الأحد، 22 أبريل 2012

إلى أين يذهب عبده ؟؟

و أنا على بوابة مقر عملى لمحته يهم بالخروج فى إرتياب وقلق , كأنه يهرب من شىء ما  ألقيت عليه التحية ورد فى سرعة وتعجل دون أن ينظر إلىّ ,  كان ينظر للأرض وكأنه يخفى وجهه عن الناظرين .  كان يجتهد فى محاولة الخروج دون أن يراه أحد فهو فى حكم المزوغ  خلال أوقات العمل الرسمية , الطريف كان أعتقاده أنه نجح فى مسعاه وأن لا أحد على الإطلاق يعلم إلى أين يذهب فى هذا التوقيت المبكر من ساعات العمل  .. وفى المقابل  كل من يعرفه يعلم تماماً  أين يذهب عبده فى تمام الساعة الحادية عشر من صباح كل يوم بداية من مديره الذى يستأذن منه للخروج لأمر ما كل يوم فى نفس التوقيت .. إلى زملاءه فى الإدارة مروراً بموظفى الأمن القابعين عند البوابة وإنتهاء بأصحاب المحلات الموجودة فى محيط مبنى المصلحة الحكومية .  يستغل عبده  هذه الوقت من الصباح فى الوقوف فى طابور العيش  ليقضى حاجته من الأرغفة الساخنة ويعود مرة أخرى إلى مقر العمل حاملاً كيساً كبيراً فيه ما يقرب من 35 رغيف عيش ..  عبده يمثل عندى حالة تستحق الدراسة والتحليل وكثيرأ ما أتأمله باحثاً عن شىء ما وكثيراً ما سألت نفسى ماذا يفعل عبده بهذا العدد الكبير من الأرغفة ؟؟ كم رغيف يحتاجه عبده وكام رغيف يجد طريقه لصندوق القمامة  ؟؟ .  هل تقوم مثلاً عائلة عبده بتربية بعض الطيور المنزلية التى تتغذى على أرغفة العيش بدلاً من العلف كنوع من التوفير .. حيث أن أسعار الرغيف المدعم أقل كثيراً من اسعار العلف ؟؟ .. وكثيراً أيضاً ما استسلمت لفكرة ان عبده يعيش ضمن عائلة كبيرة فى بيت  كبير يضم عدد من الأشقاء وهو المسئول عن توفير حاجاتهم من العيش  .
عبده فى أواخر الثلاثينيات غير مهندم على الأطلاق , دائماً ما تجد فى مظهره شىء ما   حذاء مهترىْ , ألوان غير متناسقة , تى شيرت أسفل القميص لونه يدمر الصورة بالكامل  - لا يهتم بمظهر شعره طبعاً - . بمجرد النظر إليه تعلم أنه أحد مواطنى قرية ريفية من القرى الواقعة على أطراف القاهرة , لا تسل ولا يشغل تفكيرك فكرة أن مواطن ريفى يدوام على شراء حاجاته من الخبز من يومياً . لأن قُــرانا انتهت فيها تلك الأنشطة منذ زمن .
منذ شهر تقريباً جمعتنى به صدفة الألتقاء عند مكتب المدير العام وعند خروجنا لمحته ينزل سريعاً على السلم المؤدى لبوابة الخروج وسألته بأبتسامة وفى إنتظار سماع جواب ما ..  إلى أين ؟؟ رد قائلاً فى خبث ريفى مكشوف .. مشوار كده وهاجى على طول .. كنت اريد أن أثبت لنفسى فكرتى المستقرة عنه .. رغيف العيش يمثل عنده غاية عظيمة وهدف حيوى جداً لو تعلمون . يأتى إلى العمل صباحاً وفى ذهنه متى سيخرج لشراء العيش . ويبداً اللاعمل وهو ناظراً فى ساعته بين الحين والأخر منتظراً حلول الحادية عشر . أخبره مرة مديره أن عليه الذهاب إلى مأمورية تخص العمل .. أوامرك يا فندم .. أمتى بالظبط وهاروح فين  ؟؟ رد وقال مشوار سريع لغاية المحكمة الفلانية  تخلصه دلوقتى وتيجى تانى على طول .. فرصة وانا راجع اعدى على الفرن بالمرة " قالها بينه وبين نفسه " حاضر يا رئيس أوامرك . وكثيراً ما اضبط نفسى ماراً على الغرفة التى تشغلها الأدارة التى يعمل بها عبده "بعد الحادية عشر طبعاً"  لأتحقق من المكتب الخاص به المغطى تماماً بأرغفة العيش الساخنة والتى يقوم عبده بفردها لزوم التهوية .
ذات يوم جاءنا خبر وفاة والد أحد الزملاء , فى تلك المناسبات يقوم العمل بأخراج سيارة تحمل بعض الزملاء لحضور الجنازة والعودة فى إطار التكافل بين الزملاء وبعضهم  فى  الظروف الأستثنائية مثل حالات الوفاة . وتتم كتابة اسماء الموظفين الراغبين فى الذهاب للتعزية وحضور الجنازة ويتم إعفاء هؤلاء من الأمضاء فى كشوف الإنصراف ويكتب أمام أسم كل منهم " واجب عزاء " .. وفعلاً توجهنا أنا و مجموعة من الزملاء و تحركت السيارة فى أتجاه منزل الزميل وأتيح لى أن أرى كشف الأسماء و وجدت أسم عبده .. فمررت  ببصرى فى السيارة  ولم أجده ونظرت من الشباك وكانت العربة بالصدفة البحتة تمر أمام مخبز نصف إلى " هكذا كُـــتب عليه " ولمحت عبده يقف فى إحترام كامل ومهابة شديدة فى طابور العيش كأنه يقوم بمهمة مقدسة  ممسكاً بالكيس البلاستيك فى إنتباه وتحفز . عبده واحد من ضمن ملايين انبهروا بخطاب تحكيم شرع الله فينا ولا أدرى هل سأل نفسه عن حرمانية الفترة التى يقضيها من أوقات العمل الرسمية أمام الفرن .. لا أعتقد أن مسألة تافهة كتلك قد شغلت فكره مرة واحدة .

الجمعة، 20 أبريل 2012

قـــالـــوا ... فـى يــوم التــدويــن الــنـوبــى

موروث الحزن في داخل رفاقي من النوبيين ...ذلك الموروث من الحزن الذي يلازمهم منذ الطفولة
" رغدة  محمد "

إن أحببت أن ترى النوبة فلا يمكنك أن تراها عبر الشاشة التى لم تقدم الواقع اليومى الذى يعيشه أهل النوبة
" د.محمد محمود مقبل .. طبيب وغاوى فن "

فاذا كنتم تحنون لبلادكم اللتي تنتمون لها فنحن بدأنا نكره بلادنا التي ننتسب لها
" حسام عبيد متحدثاً عن معاناته هو وكل أهل سيناء "

لفظ السودان و هي كل الاراضي اتي خرجت من تحت الحكم المصري اثناء الثورة المهدية و هي اريتريا الحالية و اجزاء من اثيوبيا الحالية و اوغندا و اجزاء من الصومال الي جانب السودان الحالي
" السيد مصطفى فى شرحه للفظ السودانى بعد اتفاقية الحكم الثنائى فى  1899 "

وكأن كل من يخرج من ارضها يصبح فنان بالفطرة
" رمضان كيمو .. مخرج مسرحى شاب " 

يقسمون أمامى بأن جدهم اخر ميت فى بلاد النوبة القديمة, و أن عظامه هى الأجدد تحت الماء. لا يصدقهمالبعض, و لا يهتم البعض الاخر. و أنا...لا أستطيع تبين الخط الفاصل بين القصة و الأسطورة.
" من قصة قصيرة بعنوان عن أخر ميت فى أدندان بتوقيع .. جورباتى لمسته القصة " 

فالنوبة ليست رقصات واغانى فقط
" سارة سعد الدين "

كنا نسمعهم حين يتحدثون عنها وكأنها الجنه التي اخرجوا منها مرغمين
" محمد حمدى " 

سمراء هى كلون ليل المظلوم .. أبيّة كريمة الأصل والمعدن ..تُظلم ولا تظلم .. كالأم تعطى ولا تأخذ .تتحلى بالصبر والجَلد فالصبر ثمة المؤمنين ..وهى مؤمنه بأن الخير قادم وأن الشر زائل
" سمراء النوبة .. مشاركة مدونون بلا قيود " 

حلم بالعودة الى ارض لم ترها عينى . ولكن هى ارض عشقتها
" سعاد ابو راس " 


 من بين انات السدود أبت وتبدو ... ترنيمة للمجد والنور والحقيقه
" أحمد عيسى عبد السلام " 

جدير بالذكر أن خلال التهجير عرضت النوبة السودانية على النوبيين المصريين الأقامة هناك، و لكنهم رفضوا
" رامى يوسف " 

منذ أن وطأت قدما بيكار النوبة سقط مولعًا بجمالها وتفردها وهدوءها وتميزها ، وجد بيكار حوله كل هذا الجمال فلم يستطع إلا أن يعشقه و يعبر عنه فى إبداعات فنية تشكيلية متفردة أصبحت علامات مضيئة فى تاريخ الفن التشكيلي المصري
" ضحى مصطفى " 

النوبيين الذين رأيت فيهم العمق والصراع حول الهوية والعين اللامعة وهم يتحدثون عن وطنهم .
" مزن حسن " 

اتجهوا الى العمل فى الشمال باحثين عن الرزق ليعترضهم حاجز اللغة و الثقافة.
" عبد الرحمن طه .. إخصائى إجتماعى نوبى "

نرى مؤخرا التمثيل الهزيل للنوبين ف دستور الدوله المستقبلى القادم
" عمر سليمان .. سيالة " 

واكيد فى يوم من الايام حانروح وانعمرها وحاتبقى رحله من غير عوده
" إسراء حسين " 

اعتقد ان الاوان قد ان لنكف عن الابتسام ونزمجر ونصرخ بمنتهى الايجابيه ايها القوم نحن هنااااااا
" رحاب جمعة " 

وكتبت الأشعار الحزينة على جدران المنازل المهجورة والتي أذابتها فيما بعد مياه السدّ، لينقل النوبيون الى حلفا الجديدة، وهي منطقة بعيدة كل البعد، عما ألفوه من أشجار نخيل ونيل منساب
" شذى مصطفى - جريدة الشرق الأوسط "

عز على الست خديجة فراق البيت الذى تربت وعاشت فيه ايام عمرها .... فأصرت باكية على ان تكنس البيت وان تملآ الزير بالماء كما تعودت دائما
" إسراء أحمد "

شعور لا يوصف عندما أرتدى الجرجار وأنزع رداء المدينة عند ذهابى للبلد.
" وفاء فتحى " 

أطالب بعدم وضعنا ف شخصيه نمطيه مهما كانت هذه الشخصية اذا كانت بكار او غيره، فان النوبيين ما هم إلا مصريين لهم هوية وثقافة مختلفة وخاصة
" بسمة عثمان " 

تعالوا مع اخوالكم واهاليكم خشم القربة" قاطعه " ياخال احنا مصريين ومانطلعش من بلدنا ونروح نلجى فى بلد تانى" تحسر الخال" بلد تانى , بقينا اتنين خلاص يا حسن اشكيت وحلفا اقربلك ولا كوم امبوا بتاعك دى " صمت مفحما
" مقطع من (اوندى) قصة قصيرة لــ مازن علاء الدين "

ولم تتبقي أي مساحة للحديث عن البشر "الانسان النوبي" الذي اختفي او استبعد او تلاشي امام العملاقين "السد" و "المعبد".
" صقر عبد الصادق هلال " 

الحضارة ليست فى المعمار و العلم فقط و انما فى رقى الموروثات الاخلاقية والانسانية وهو ما تفتقده معظم الحضارات
"مروة زكى "

الناس كانت قاعدة علي المصاطب بعد المغرب في الهواء .... بقوا يوقفوني انت من ... بنت مين ؟؟ و انا جوايا ام التحقيقات بقي ... و ينتهي الحوار دايما انا عمتك يا بنتي و لاني غبية ...كنت باسأل ازاي و يشرحوا بقي ...خد عندك بقي نص ساعة شرح و بعدين بوس كتير بقي و تنده عيالها يسلموا
" فاطمة إمام " 

وأصبح الوطن هو المتغير و الأنسان هو الثابت . الوطن هو منّ رحل .. الوطن هو منّ غادرنا .. الوطن هو منّ مشى عنا وغاب ..
" مصطفى الشوربجى " 

النوبة بالنسبالنا هي حكايات عشنها وسمعناها وهموم تزخم بيها الحكايات دي بعد ما تتحكيلك تشارك اللي حكاها في حمل هذا الهم الى ان يموت الراوي فتصبح حاملا وحدك همومه وهمومك بل وهموم قوم ولغة وحدوتة كبيرة اوي سعادتك
" إسلام صالحين " 

دى كانت تغطية للتدوينات اللى اتنشرت فى يوم التدوين والزقزقة النوبية فى 18 /4 /2012













الاثنين، 16 أبريل 2012

فى نــعــى الــوطــن والــنهــر والنــــاس

جرت العادة ومن قديم الزمان على أن يتنقل الإنسان من مكان إلى مكان  . من مسقط رأسه لعالم اخر.  من موطنه إلى مواطن جديدة بحثاً عن الرزق وسبل العيش وأستكشاف العالم وعمارة الأرض .. فيرحل عن موطنه الأصلى لموطن أخر , فى هذه المعادلة يكون الأنسان هو المتغير والمكان هو الثابت بمعنى ان الانسان هو  من ينتقل ويرحل ويغادر والمكان باق سواء الوطن الراحل عنه أو الواطن الجاى ليهو .
إلا فى قصتنا هذه .. فقد إنكسرت تلك المعادلة وتبدلت أطرافها . وأصبح الوطن هو المتغير و الأنسان هو الثابت .
الوطن هو منّ رحل .. الوطن هو منّ غادرنا .. الوطن هو منّ مشى عنا وغاب ..
وأختلفت الأسباب وإن تشابهت . فالوطن ذهب ليس بحثاً عن رزق و سبل العيش ولكن لزيادة الرزق وتحسين سبل العيش .. هكذا قالوا لنا

الوطن والنهر
كان وطننا يعيش على ضفة جاره ورفيقه النهر عبر الآف الأعوام .. كانت تتراوح علاقتهما بين مد وجزر بين تقدم وانحسار كانت علاقة تشوبها المداعبة و تبادل المزاح , فى الصيف يبدأ النهر فى قضم جسد صاحبه ويأتى الشتاء ويأتى دور الوطن ويبدأ فى التغول ومحاصرة النهر .. وأستمرت العلاقة هكذا بين كر وفر صيفاً وشتاءاً فى تلك الايام الخوالى من أعمارهم المديدة .
حتى جاءت أيام خبيثة , وأصابت النهر شهوة عدوانية ونوبة جنون عاتية فأبتلع فى لحظة مشئومة من عمر الزمان جاره بالكامل و للأبد
لم يدرك النهر ماذا فعل طوفانه . فقط نظر حوله ولم يجد الوطن .  لم يجد الجار والرفيق . ثم تحسس أحشاءه فأدرك فعلته الجنونية ..
تحسس شواشى النخيل وهى تتخبط داخله  بفعل تياراته . تحسس البيوت و المصاطب والحقول وهى راقدة بداخله . سمع أصوات أصحابه وأحاديثهم و نمّاتهم وضحاكتهم فى ليالى الصيف الرطبة  يتردد صداها بين جوانحه . ثم كانت الصدمة الكبرى حين أدرك انه بات قبراً كبيراً جامعاً لقبور أحبائه ورواده الذين تبركوا به دوماً فى حزنهم وفرحهم . أصابته لوثة . انتفض النهر حزناً وجزعاً  وراودته اوهام العز القديم والجبروت الماضى وهب يقوم صائحاً فى هلع . أراد أن يصرخ وينعى رفيقه وأحباؤه  فأصطدم بجدار أسمنتى قبيح .. فتكسرت سواعده وصرخاته علي الجدار  .. وكانت هزيمته ..  وكان إدراكه أنه وكما قضى على رفيقه فإنها نهايته ايضاً فمضى بعد الجدار شائخاً منكسراً مهزوماً يجتر امجاد ماض تليد وفيض عارم وشباب طاغ .

الناس ..
 ويبدو أن  النداهة قد أختارتنا دون عن باقى البشر فبدأت بالنهر الذى قضى على الوطن فمات النهر وإن عاش و ذهب الوطن  ثم جاء دورنا
مضينا نحن أيضاً . فقدنا موطنّا ونهرنا . لم نختار الرحيل ولكن اختار الوطن أن يرحل وعندما تقرر الأوطان الرحيل فإنها ترحل وهى لا تعلم إنها تأخذنا معها . تأخذ أرواحنا وأصوتنا واحلامنا وذكرياتنا . فنبقى أجساد ... أجساد فقط بلا أرواح

تنشر بالتزامن مع دعوة التدوين والزقزقة التى أطلقها اتحاد شباب النوبة الديمقراطى فى يوم 18 إبريل 

الجمعة، 6 أبريل 2012

هذا الوطن أعترف به

  بسم الله الرحمن الرحيم
ومن آياته خلق السماوات والأرض وإختلاف ألسنتكم و ألوانكم إن فى ذلك لآيات للعالمين 
              صدق الله العظيم    الروم (22)

معنى آياته أى من معجزاته , من علاماته .
هذه سنة الله فى خلقه والتى يوصفها عز وجل أنها من علامات وجوده  ومعجزات خلقه . وبئس من لم يوقر سنة الله فى خلقه , وبئس من لم يؤكد على سنة الله فى أرضه .فى إفتتاح البرلمان وأثناء اداء الأعضاء ليمين العضوية أقحم بعض الأعضاء عبارة " بما لا يخالف شرع الله "
وذلك للتأكيد على إلتزام هؤلاء بشرع الله وبضوابطه وأحكامه كما وردت فى الكتاب الكريم . هل سمع هؤلاء بهذه الأية الكريمة من سورة الروم , هل أحسنوا تفسيرها , هل سيعملوا بها كما أقسموا

                         
دستور مصر بعد ثورة يناير 2011 إن لم يكن على مستوى هذه الأية العظيمة المؤكدة على تعدد الأعراق واللغات والألوان والثقافات والأديان  فهو دستور يخالف شرع الله كما يفهمه بعض النواب الأسلامويين . وسيكون دستور يخالف كل المبادىء الدينية والأنسانية بشكل عام التى تؤكد على وجوب الأعتراف و إحترام الأختلاف النوعى والعرقى والإثنى بين البشر .

مصر ليست حكراً على دين واحد وعرق واحد و لون واحد ولغة واحدة و خصوصية ثقافية واحدة . مصر وطن عظيم ثرى بعرقيات وألوان ولغات مختلفة ويستحق دستورها المنتظر أن يتزين بتلك المبادىء العظيمة ويتحدث بوجودها وإختلافها و إحترامها والسعى لإحياءها و التباهى بها .
من فى مصر ليس لديه صديق او زميل عمل مسيحى الديانة
من فينا لم يلمس خصوصية ثقافية لأهالى المناطق الساحلية المصرية كالأسكندرية ومدن القناة , من فينا لم يلحظ الخصوصية الثقافية المميزة لأهالينا البدو شرقاً وغرباً فى سيناء ومطروح , من فينا لم يرى بوضوح خصوصية ثقافية مميزة لأهالينا فى الدلتا وأهالينا فى الصعيد .
من فى مصر لا يشعر بوجود خصوصية عرقية ولغوية و ثقافية تميز اهالينا الأمازيغ فى سيوة والنوبيين فى كل أنحاء الوطن . الأمازيغ والنوبيين خصوصاً ترى فيهم هذا التميز بوضوح فهم يرطنون بلغة أخرى غير العربية . العربية عندهم هى لسان فقط وتم تداولها حديثاً بمقاييس التاريخ  تبعاً لظروف إضطرارية ورضوخاً لتغيرات زمانية ومكانية . ولكنهم قطعاً ليسوا عرب ...
جيراننا على الضفة الأخرى من الأطلنطى فى أمريكا اللاتينية يتحدثون الاسبانية وقطعاً هم ليسوا أسبان ولن يكونوا .
و لا ارى عيباً او مانع للأعتراف بوجود لغات محلية مثل النوبية و الأمازيغية فى دستور مصر وليس عيباً التأكيد على وجوب إحيائها فى مناطقها والعمل على تدريسها طوعياً فى تلك المناطق من الوطن فهى تمثل تراث إنساني جدير بالدولة أن تكون الساعية إلى الحفاظ عليه وتوثيقه فهو ثراء للأمة وليس إضعافاً لها .. هو تأكيد على هويتها ونكهتها و تاريخها وليس دعوة لتفتيتها او تقسيمها .
الوطن هو انا النوبى وانتا البحرواى وانتى الصعيدية و أخواننا من الأمازيغ والبدو .. مشكلة كبيرة إن لم يستطع الوطن صياغة ما يشير لهذا ويؤكد عليه . ازمة حقيقة لو دستور الوطن لم يعبر عن الوطن كما يجب .. هو بالنسبة لى شخصياً دستور لا يعنينى ولا اعترف به
صورة المصرى النمطية والتى عناصرها هى رجل أبيض مسلم سنى يلبس بدلة ويسمع ام كلثوم هى تابوه واجب كسره الأن .. ليس لخطاً بها ولكن فقط هى غير مكتملة وغير معبرة عن عموم الشعب المصرى الذى فيه من هو إمرأة واسود ومسيحى وشيعى ويلبس جلباب بدوى ويسمع فكرى الكاشف
مصريجب أن تكون لوحة فنية متكاملة تتداخل فيها الألوان والأشكال والنكهات لتصنع لنا فى النهاية لوحة شديدة الإبهار لوطن قادر على إحتواء أعراق و أديان ولغات وهويات مختلفة ... وطن يجمعنا لا يوحدنا
يوجد فارق عظيم بين وطن يجمعنا كما نحن ... و وطن اخر يوحدنا فى قالب نمطى وضيق
وطنى هو مكان يحترمنى ويفخر بوجودى ويتباهى بى .. دستورى هو وثيقة تعترف بوجودى وتوصفنى وصفاً دقيقاً 

الاثنين، 5 مارس 2012

فى رثاء وردى

                                                         ايو بيووه وردى ..... وردى ديوسوا ..
                                                          يا ملن الله منا اديل دارى .. منقا ناوروا 



((   كبرت ليك      ............           تسعتاشر سنة  ))

(( جات تندلى بالوديان عديلة ......  الكاحلة بلا كحل .. بت القبيلة ))

(( والناس اللي كانو السبب ..  رموني وصبحو فراجه ))

(( وسكتي الخشامة  ............... وزيدى العواذل كي ))


                                             تقديم
مشهد 1 
الزمان ثلاثينيات القرن العشرين
  سكون موسيقى النكهة يغلف ليلاً هادئاً ذو سماءاً صافية تحتضن فى كبدها سراجاً منيراً تتضاءل بجانبه أنوار باريس وكأنها لوحة بديعة تنقصها لمسة من سحر .  فيظهر فى المشهد نيل نوبى رقراق ينساب فى مساره وسط جنادله الكثيرة ,  فتدرك وقتها  لما هو سكون موسيقى النكهة فالماء فى انسيابه يرتطم بوداعة فى صخور الجنادل فتعزف الطبيعة نغماتها الشجية فى اوركسترا ربانى بديع وعلى ضفتى هذا الساحر تترامى  أراض سوداء صبغتها تراكمات طبقات الطمى على مدى قرون لا نعلم عددها منذ أن بدأ تدفق النيل فى مساره هذا  , وعلى الضفاف  تتناثر معابد وتماثيل وأهرامات نوبية تنتمى لحضارة كوش القديمة و نشاهد أيضاً  نخيلاً مثمراً تتهادى جذوعه بفعل نسيم بارد عليل فى ليلة صيفية رطبة . ما سبق كان عناصر لوحة فنية تكون فى مجملها قرية نوبية صغيرة إسمها صواردة تقع على ضفاف النيل النوبى ضمن قرى كثيرة متراصة تُشكل عمودية السكّوُت اكبر عموديات حلفا ..
حلفا . حاضرة المدن السودانية وأحد أقدم مدن إفريقيا والعالم و التى ترقد الأن فى سلام فى قاع بحيرة النوبة الممتدة بين مصر والسودان بجوار شقيقاتها من القرى النوبية فى وادى النيل إثر بناء السد العالى وخزان أسوان

نعود لقريتنا صواردة ولبيت نوبى فسيح ترقد فى أحدى حجراته بتول أحمد بدرى شريف إينة عمدة صواردة أحمد بدرى شريف المسجون وقتها فى سجن دنقلة لرفضه دفع خراج القرية إلى الأتراك الحاكمين , بتول تعانى من الآم الوضع وبجوارها أمها وبعض من نسوة القرية . ويرقد فى حجرة مجاورة زوجها على فراش الموت ينتظر الأجل المحتوم .
 وتضع بتول ذكراً .. وفى نفس الوقت يستريح أبوه من عناء الأنتظار . وفجأة ..  زغردت النسوة  إبتهاجا بالمولود الذى سُمى على إسم خاتم النبيين والمرسلين .. محمد , وتنصب القرية سرداق عزاءها بعد ان غادر الأب سريعاً .. وترك أبناً ستبتسم له الأقدار
  أسمه محمد عثمان حسن صالح وردى ....
 التاريخ  19/7/1932


مشهد 2 
الزمان العقد الأول فى الألفية الثانية
 أستديو فسيح وفخم جداً  و وسط ديكورات وتجهيزات أسطورية وقفت مذيعة البرنامج الحسناء فى كامل زينتها وتألقها وحولها أوركسترا موسيقى ضخم , وقفت تقدم برنامج غنائى هو  الأشهر فى الوطن العربى وتنتظره الجماهير من المحيط للخليج والذى يستضيف أسبوعياً نجم شهير من بين نجوم الغناء العربى ليتحدث عن تجربته الغنائية ويشدو بأحلى اغانيه وسط صيحات وتصفيق جمهور الحاضرين بأجر من الفتيان والفتيات , البرنامج يستضيف كثير من النجوم , الغث منهم والسمين
من الشمال عند  جبال لبنان وقيسون حيث راغب و نانسى وهيفاء ثم شرقاً بمنطقة الخليج ومطربيها الكبار حيث الجسمى وراشد ومحمد عبده مروراً بالوسط وقلب الوطن العربى مصر بمطربيها على كثرتهم ومنهم أنغام وشيرين وتامر  نهاية بأقصى المغرب العربى وفنانو تونس والجزائر والمغرب لطيفة و صابر و جنات .... الخ ... ولــــــــــكـــــــــــن ,,,
  هم لم يهبطوا جنوباً للأسف , لم ولن يعترفوا أن فى الجنوب وعلى ضفاف وادى النيل توجد أساطير الفن والغناء والكلمة واللحن والأداء ... أملك إيماناً عميقاً مفاده أن أغنية واحدة من وادى النيل بألف مما يعدون
ولكنه وللأسف الجنوب الفقير الذى تعيش فيه  الجماهير السوداء الفقيرة التى لا تملك رأس المال لكى توهب فنها ما يستحقه من مقام رفيع وإحتفاء من عالمه العربى الذى تنتمى إليه إسماً .. الثرى الخليجى والعربى الابيض الذى تتوجه إليه كاميرات البرامج وشركات الأنتاج الكبرى و حناجر المطربين والقنوات القضائية ,  كلهم تجذبهم حافظة نقوده المنتفخة ليغنوا بلسانه ولذوقه ..
 حتى صار الذوق السمعى  رهن لرأس المال حيث كان ... يتبارى الكل فى إرضائه
 من يكون مصطفى سيد احمد و خليل فرح و محمد وردى ومحمد الأمين و صلاح بن البادية و عبد الكريم الكابلى . من يكونوا هؤلاء ؟ مجرد فقراء يغنون بلسان ولذوق فقراء مثلهم
كم إعلان سياتى للمحطة لو كان ضيف الحلقة القادمة من البرنامج  محمد الأمين ؟؟
 بكم سنبيع تذكرة الحفلة لو كان مطربها محمد وردى على أسطوريته ؟؟
كم سودانى أو نوبى يستطيع ان يدفع 300 دولار سعر التذكرة فى أقل حفل ؟؟
بل حلقة عن عظمة فن راشد الماجد او الجسمى أو حفلة يحييها راغب علامة أو شيرين هو المبتغى والمنية ..
اه لو كانت ثروة النفط فى وادى النيل ..... كانت ستتقاطر المحطات الفضائية  والكاميرات وكافة الوسائل الإعلامية وأشهر متعهدى الحفلات فى العالم العربى  إلى أرض الوادى منبع الفنانين العظام لكى يكونوا نجم الصف الأول ليس لفنهم وهو يستحق بالطبع ولكن لجيوب جمهورهم المليئة بالدولارات .....
تباً وسحقاً لراس المال وذوق رأس المال وعبيد رأس المال ,,,
رأس المال الذى يحدد ويختار النجوم والفنون فنجد قناة أسمها روتانا خليجية توثق لكل مطربي الذوق واللسان الخليجى  إبداعاتهم أياً كان رأينا فيها .
ولا يسعنا نحن أبناء الوداى فى النوبة والسودان سوى عظيم الجهد للتنقيب والبحث عن فيديو نادر أو ملف صوتى ردىء الصوت لعظماء فنانينا .
                                                         




     فى رثاء فنان إفريقيا الأول  ...  محمد وردى 

وردى أحد شوامخ الغناء فى إفريقيا والموسيقار الحائز علي جائزة نيرودا .. هو صانع الغناء الحديث ورائده الأول ، مسيرته الفنية والوطنية كانت مشواراً طويلاً . أسهم بإبداعه وفكره وجهده في تشكيل الوعى الوطنى فى كل ازمانه منذ فجر التاريخ منذ بعانخي مروراً بملاحم كرري وأم دبيكرات ومعارك الاستقلال منذ ثورة ود حبوبة وكفاح جمعية اللواء الأبيض ونضال الخريجين بقيادة أزهري ورفاقه . أمتلك قلوب محبيه من النوبة المصرية شمالاً إلى اواسط إفريقيا جنوباُ من اليمن شرقاً وحتى أبواب السنغال غرباً .. كان امبراطوراً فنياً متوجاً على منطقة القرن الإفريقيى كله . وردى الذى شاء القدر ان يرتبط اسمه بعملاق أخروان يولد والنوبة السودانية تغسل أحزانها أثر رحيل مطربها وشاعرها الأشهر خليل فرح الذى مات فى نفس عام مولد وردى , خليل فرح إبن حلفا والنوبة والرائد الذى مهد الطريق للرعيل الأول من فنانى السودان  والذى تكفيه فقط أغنية "عزّة فى هواك" التى سجلها بصوته فى القاهرة فى ثلاثينيات القرن العشرين .  وهى بمثابة النشيد القومى والشعبى الأول فى السودان وصارت علامة بارزة فى تاريخ الفن السودانى ولن أنسى الفنان صلاح بن البادية لما تغنى بخليل وعلامته البارزة فى تاريخ الغناء فى السودان فى أغنيته الرائعة - أبناء النيل  - " ونحنا زى ما قال خليل يا عزتنا نحنا فى هواك " للتدليل على رسوخ الأغنية فى وجدان الشعب السوادنى

خليل فرح 
 ويشاء الزمن أن تتشابك خيوطه و تمتد لتربط  بين عمالقة السودان فنجد الطيب صالح روائى السودان الشهير وصاحب الملحمة الروائية  " موسم الهجرة إلى الشمال " والذى لم تفز به نوبل وخسرت ارتباطها باسمه نجده يشترك مع وردى فى تاريخ الرحيل  ليصبح يوم 18/2 يوماً فريداً حزيناً فى تاريخ السودانيين حيث فقدوا فيه قامتهم الأدبية العظيمة الطيب صالح ثم الأن وردى

الطيب صالح روائى السودان الشهير

                    

الحديث عن وردى لا يبدو سهلاً , هو دولة مترامية الأطراف تحتار من أين تبدأ ..

وردى الرومانسى و العاطفى
قصص كل المحبين والعشاق فى تلك المنطقة من العالم كانت تغزلها وتزينها  أغانى وردى فى الحب والريدة و السهروالهجر والفراق و الفرح والعديلة والزواج  وكانت شرائط وردى أغلى الهدايا ورسول الصلح والغفران بين المحبين على مدى سنين واجيال وسنأخذ من معين وردى أمثلة على تفرده وتربعه على عرش فنانى السودان..
 أحدث وردى إنقلاباً فى الأغنية العاطفية والرومانسية السودانية عندما غنى رائعته بعد أيه فى ستينيات القرن الفائت أغنية بعد أيه فى مقدمتها الموسيقية تمثل إضافة خالدة فى تاريخ الموسيقى السودانية مثلها مثل قيمة أغنية أم كلثوم الشهيرة انت عمرى والتى كانت لقاء السحاب عندما لحنها محمد عبد الوهاب والتى كانت فتحاً جديداً فى المقدمات الموسيقية الشرقية .
والأغنية كاملة من حفل محمد وردى فى عدن* ..
" جيت تايب يا حليلك والفؤاد ملكوه غيرك - ربي يعدل ليك سبيلك وكل مناي في الكون عديلك "

أغنية بعد أيه كاملة من حفلة عدن 


 ومازالت أغنيته - عيون -  ماثلة فى أذهان كل العشاق والمحبين عندما قال  أجمل وصف لعيون حبيبته من غير امعان في الحسيات

 " عيونك زي سحاب الصيف تجافي بلاد وتسقي بلاد .. وزي وطنا وقت اشتاقلو برحل ليه من غير زاد "


بل إن أغنيته الشهيرة - الود* - كانت سبباً كافياً لتكتب الصحفية السودانية المهاجرة فى كندا رقية رواق نصها الأدبى البديع فى رثائه
عزيزى محمد وردى .. لك كل الود

 . وتأتى أيضاً اغنية سوات العاصفة بإيقاع السيرة المميز عندما يصف حاله لما داهمه الحب وكيف فعل فيه

 " فعل السيل وقت يتحدر .. يكسح ما يفضل شى .. ده كان حبك وقت حسيته .. وشفت الدنيا دارت بى "


وردى النوبى








الملك تراهاقا النوبى أسس احد أعظم الأمبروطوريات فى التاريخ الإنسانى وامتدت دولته التى كانت مركزها فى منطقة النوبة إلى الجزيرة العربية والشام واواسط إسيا إلى جنوب تركيا وكان ذلك فى عام 664 قبل الميلاد  . عندما تتطالع صورته لا تستطيع ان تُبعد عن خيالك صورة حفيده وردى الذى يماثله فى قامة عملاقة مهيبة و وجه نوبى تنطق تقاطيعه بشموخ غامض وتصادف ان يخلفه أيضاً فى امتلاك قلوب وعقول النوبيين فى اوطانهم وفى الشتات , ولم يكن هناك أفضل من وردى ليخلد سيرة هذا الملك العظيم

" هاهنا يبتسم النهر القديم لبعانغي .. لتهراقا ولمهدي  .. لعلي عبد الطيف .. ولعبد القادر حبوبة "
كما لا تُنسى  إلياذته -  يقظة وطن -  كلمات النوبى مرسى صالح سراج

 " عزم تراهاقا و إيمان العروبة ... عرباً نحن حملناها ونوبة "
                                                         وردى فى حلته النوبية ورطانته الشجية 

 وردى نال نصيبه مثل اى مناضل فى وطنه وسجن فى اواخر الخمسينيات فى عهد عبود بسبب موقفه من مأساة التهجير* التى لن ننساها أجيال خلف أجيال بعد   وعلى الجانب النوبى وردى خسارة نوبية فادحة  ... لسان نوبى عتيق وأصيل يُفقد  وفى المقابل لا نصيب من لساناً نوبياً جديداً يعوضه .. وردى كان يعد وعاء ثقافياً وتراثياً لغوياً متحركاً كان يجيد النوبية بكل لهجاتها الكنزية والفدجكية و المحسية والدنقلاوية وردى فى اللغة النوبية فقط  يمكنك إعتباره بروفسيراً متمكناً ومتخصصاً فأى خسارة تلك ؟؟؟


وردى الافريقى

وردى فى الزى الإفريقى - حفل أديس ابابا 1994
نعم مات العملاق وردى .. الشامخ بنوبيته والمؤمن بسودانه و الفخور بأفريقيته . غادرنا وردى و ترك النيل والجبال والنخيل و الصحارى والوديان والغابات والأحراش والوطن والسحنة النوبية والوشمة الزنجية بعد أن خلدهم بأغانيه البديعة .. مات وكثيرون جداً فى عالمنا العربى للأسف فاتهم ان يعيشوا فى عالم ودنيا كان يملأها وردى فنا وإبداعاً ونوراً .. ولكن مملكته الإفريقية شهدت له وعشقته وبكته دموعاً مازالت جارية حتى الآن  وعوضته عن عالم عربى ثرى و رخيص فى نفس الوقت واهدته لقب فنان افريقيا الأول بغير  استفتاءات أو ارقام مبيعات وكيف لاتهديه هذا اللقب وقد غنى لها ولأرضها السمراء ولرموزها التاريخية ومثال ولا أوضح على هذا أغنيته الخالدة أنا إفريقى حر  والتى غنيت خصيصاً  لــ ( باتريس لومومبا ) الرئيس الكونغولى المنتخب والذى قتله المستعمر البلجيكى وتلوثت يد نظام عبود بدمه أن ساند ودعم القوى الإستعمارية فى سلبها ونهبها لأراضى الكونغو وثرواته من الماس وخلافه ورفضت سودان عبود تقديم الدعم للمناضل لومومبا كما رفض تمرير المساعدات التى قدمتها مصر والإتحاد السوفيتى مما اثار حفيظة السودانيين وقتها  وساهم فى تعبئة المشاعر الثورية لدى جميع قطاعات الشعب ضد ذلك النظام البغيض  فكانت رائعته - أنا إفريقى حر  -  والتى يطلق عليها نشيد لومومبا
يابلادي يابلاد الشمس
أرض العرايا الطيببين يابلادي
سرقوك نهبوك من سنين وسنين يابلادي
وابناؤك يابلادي في البادي كادحين يابلادي
كم طريد ... كم قتيل ... كم سجين يابلادي
خضبوا الغابات غدراً بالدماء تركونا في العراء
تركونا دون قوت . دون ماؤي أو كساء
أنا افـــــريــــــــــقي حـــــــــــــــرّ  ....  أنا افـــــريــــــــــقي حـــــــــــــــرّ
والحرية في دمي ولسوف أحطم الأغلال مهما كمموا فمي
ارض جومو* يابلادي .أرض ناصر . أرض لوممبا* العريقة  يابلادي
لقب فنان إفريقيا الأول لم تمنحه لوردى الفضائيات الغنائية أو شركات الأنتاج الكبيرة و أنما منحته له جموع العرايا الفقراء فى غابات و أحراش إفريقيا .  منحته له عندما وقف وسطهم وردى بقميصه الأصفر البسيط فى ستاد العاصمة اديس أبابا يغنى وسط مدرجات مكتظة ببسطاء اثيوبيا أتوا من كل أنحاء البلد الإفريقى الكبير ليروا مليكهم وأبنهم ورفيقهم و شبيههم فى سواد بشرتهم وبساطة ملبسهم وليرقصوا على أنغام موسيقاه الخماسية ويستمتعوا بأغانيه الشهيرة 

                                                        وردى فى أثيوبيا - ستاد اديس ابابا 1994


يحكى الصحفى السودانى عادل الباز ويقول : "وأنا أتسكع في شوارع أديس أبابا سمعت أغنية نور العين لدى احدهم توكلت على الله وصعدت إلى حيث الصوت. مجموعة من الشباب الأثيوبي يتحلَّقون حول إستريو كبير ويغنون مع وردي ويرقصون , قال لي أحدهم لن ينافس وردي في أديس إلا «استير»!! .. و«استير» هي مغنية الأحباش الشهيرة . في ذلك الوقت كان وردي يقضي ليلته الأخيرة بمستشفى فضيل . ما الذي جاء بوردي هنا؟ وكيف غزا وردي قلوب الأحباش ، ففاضت شوارعها ومسارحها بغناء هذا النوبي؟"

ليس فى أثيوبيا فقط ... فى أسمرة عاصمة ارتيريا الغريم اللدود لاثيوبيا والتى أنفصلت عنها فى أواخر القرن العشرين وقف وردى على اشهر مسارحها ليغنى  اريتريا الصمود ... نرى بوضوح أن الرفاق يختلفون ويتصارعون ويبقى اتفاقهم الوحيد على وردى وعلى تأكيد حقيقة أن وردى لكل الأفارقة تماماً كما كانت فيروز فى لبنان وقت الحرب الاهلية الدامية كل الطوائف تحارب بعضها ثم تركن لتستريح وتسمع فيروز النازفة دماً على وطنها المحروق . اه لو كان المبدعون فى مقاعد الحكم لا الساسة

                                                       وردى يغنى لأريتريا الصمود 


وردى الوطنى
أعتقد جازماً انه لم يغنى مطرب لوطنه كما غنى وردى للسودان ..
فى أحراش جوبا فى أحتفال دولة جنوب السودان الوليدة بإعلان استقلالها كان وردى موجودا بين بنى وطنه سابقاً وصعد على المسرح وغنى دامعاً قاصداً متعمداً .. ابداً ما هنت يا سوداننا يوماً علينا .. بكل رمزيتها وقسوتها ووجعها فى تلك اللحظة  وكان رد فعل الجنوبيين هو الأغرب حيث اندفعوا لخشبة المسرح يحييوا ويبشروا ويلوحوا لوردى وسط دموع غزيرة لا تعلم ولا تسأل عن تفسيرها  نظر سياسيو الشمال المدعوين والحاضرون الحفل وقتها لبعضهم والسؤال يفرض نفسه  ماذا لو كان وردى هو الرئيس وليس البشير؟
من المعروف عن وردى تاييده للزعيم الوحدوى جون قرنق و لما وجهت له ما يسمى بتهمة تأييد قرنق
صرح قائلاً "  الراحل جون قرنق صديق عزيز جداً وفقده السودان كثيراً ولو كان موجوداً لتغيَّر الوضع الحالي، وليس عيباً أن أنتمي للحركة الشعبية لأنها حركة لتغيير السودان القديم لسودان جديد وأنا مؤمن جداً بهذا الطرح "
وكان الأنفصال بعد إغتيال جون قرنق  النهاية التى للأسف لم يتمناها وردى عندما غنى - أيام أكتوبر - فى ستينيات القرن الفائت
" من أقصى شمال بلادى لأقصى جنوب الوادى نعمل للوطن الواحد "
او لما غنى رائعته  - شعباً تسامى -  وقال مخاطباً  وطنه الكبير الواحد
" قدرك عالى قدرك .. يا سامى المقام .. ضد العنصريه ... وتحلم بالسلام "
فى أكتوبر 1964 إنطلقت أول ثورة شعبية عربية فى الخرطوم ضد حكم العسكر وحاصرت جموع الشعب السودانى الهئيات والأتحادات والنقابات القصرالرئاسى حتى خلعت المجلس العسكرى بقيادة عبود الذى اذاق الشعب السودانى صنوف القهر و العذاب .. و ويقال هنا أن تسليم السلطة بشكل مفاجىء وقتها لعبود وللمجلس العسكرى  كان صنيعة مصرية لتمرير إتفاقات بناء السد العالى واتمام علميات تهجير النوبيين  حلفا القديمة إلى حلفا الجديدة فى خشم القربة شرقى السودان  وأنطلقت الثورة فى كل أرجاء السودان و خلعت عبود ومجلسه  وكان عنوان أول ثورة شعبية عربية قبل الربيع العربى بما يقرب من نصف قرن هو صوت وردى  فى رائعته - اصبح الصبح - .. أشهر أغانى ثورة أكتوبر
أصبح الصبح ‏
ولا السجن ولا السجان باقي‎
واذا الفجر جناحان يرفان عليك‎
‎‎وإذا الحزن الذى كحل هاتيك المأقى
ابداً ما هنت يا سوداننا يوم عليناثورة اكتوبر التى يتحسر عليها وردى ويتعجب من عدم احتفال النظام بها رغم مباركة كل التيارات لها يمين ويسار وعسكر


                                                      وردى مستنكراً عدم الأحتفال بأكتوبر


وعلى كثرة  ما غنى وردى لأكتوبر .... تبقى - أكتوبر الأخضر- هى الأهم والأعظم فى رأيى وتابع ادائه هنا .. هو ليس مطرب يؤدى اغنية  ..  بل هو قائد ثورى يلقى بياناً على شعبه
وتسلحنا باكتوبر .. لن نرجع شبراً
سندق الصخر حتى يخرج الصخر لنا زرعاً وخضرة
ونرود المجد حتى يحفظ لنا الدهر إسماً وذكرى
باسمك الأخضر يا أكتوبر الأرض تغنى
بأسمك الشعب انتصر وحائط السجن إنكسر


                                                 وردى فى نشيد أكتوبر الأخضر 

ويواصل وردى مسيرة نضاله الوطنية فنجده بعد ما يقرب من 20 عاماً عندما إنقلب جعفر نميرى على أفكاره وتوجهاته وأنتهج سياسة القمع وحبس كل  المعارضين وتكميم كل الأفواه وقمع كل الحريات حتى صار الشعب السودانى كله مساجين تحت الطلب فى سجون نميرى وخاصة بعد   فشل إنقلاب هشام عطا 1971 الموصوف زوراً بالإنقلاب الشيوعى والذى لم يصمد اكثر من ثلاثة أيام وعاد بعدها نميرى أكثر دموية ووجه عدائه بالأخص  ضد كل ما هو يسارى  وشيوعى وتم تصفية وحل الحزب الشيوعى السودانى وإعدام معظم قادته وفى مقدمتهم سكرتير الحزب عبد الخالق محجوب  وأعتقل الكثير من الشيوعيين وأعتقل وردى بالطبع فى سجن كوبر ويقال ان وردى طلب ان يأتوا له بعوده داخل المعتقل فرد عليه رئيس جهاز الأمن  " يا محمد وردي نحن ما قبضناك عشان راكب دبابة نحنا  قبضناك عليك عشان عودك ده "  ثم زاد الطين بلة  وتبنى  نميرى فجأة تطبيق المنهج الأسلامى وقرب الترابى إليه وجعله مستشاره السياسى وصدرت أحكام سبتمبر 1983 الهزلية والخاصة بتطبيق الحدود الشرعية على شعب يقع معظمه تحت خط الفقر وعلى شعب منقسم بين الأسلام والمسيحية والوثنية واديان اخرى كثيرة مما سبب فى أشتعال ازمة الجنوب أكثر  فى تلك الأجواء وبعد أن أصبح السودان تحت حكم نميرى جحيم لا يطاق  قامت إنتفاضة أبريل 1985 وقامت جموع الشعب السودانى لتخلع نميرى وتسلم الحكم فى متوالية مملة  إلى وزير الدفاع وقتها  سوار الذهب ... وعاد وردى من منفاه وغنى - حمدا الله الف على السلامة - لوطنه بعد ان تم فك أسره من حكم نميرى الديكتاتورى الفردى

" السجن ترباسو انخلع . تحت إنفجار الزلزلة . والشعب باسره إندلع . حرر مساجينو وطلع . قرر ختام المهزلة . بلا وإنجلا "
" سداً منيعاً يا وطن .. صه يا طنين البلبلة .. أبداً لحكم الفرد .. لا .. تحيا الديمقراطية .. كم نفديك يا مستقبلا "
جدير بالذكر ان إنقلاب نميرى المايوى  ( مايو 1969 ) كان ثورة تنتمى فكرياً لليسار السودانى وأفكاره و توجهاته  ولاقت ترحيب كبير من كل مثقفى وفنانى السودان وفى مقدمتهم وردى الذى غنى كلمات محجوب شريف ( أنت يا مايو بطاقتنا التي ضاعت سنينا.. أنت يا مايو ستبقى بين أيدينا وفينا ) ولكن وبعد ان إنقلب نميرى على نفسه أعتذر وردى ورفيقه محجوب شريف للشعب السودانى عن تلك الأغانى ووصفوها انها كانت بمثابة قلة وعى فنى وسياسى و أجتماعى ومن أعراض ما يسمى ( مرض الطفولة اليسارية ) على حد تعبير لينين الشهير. ثم كان وقوع إنقلاب جبهة الإنقاذ الإسلامية يونيو 1989 ولم يستطع وردى العيش فى ظل حكم الإسلاميين الظلاميين وهاجر إلى القاهرة بعد ان سجل رأيه وموقفه فى هذا الأنقلاب الإسلاموى فى أغنيته " سلم مفاتيح البلد "

وتبقى أغنية - على اجنحة الفجر ترفرف -  درة وسط عقد فرد من الاغانى الوطنية السودانية
ارفع اصواتك هيبة وجبرة
وخلى نشيدك عالى النبرة
وخلى جراح اولادك تبرأ
                                                  على أجنحة الفجر وسط الأثيوبيين 

وردى السياسى


يعد وردى بجانب فنه أحد أهم أعمدة اليسار السودانى هو والراحل المقيم مصطفى سيد أحمد .. و عبر  وردى  فى أغانيه عن توجهه  السياسى بوضوح عندما غنى

 " تعاهدك يا بلادى حياتى بإخلاصى للحرية .. احارب من أجلك ذاتى ..  و اعدائك  ..  والرجعية  ..  لتصبحى دار للأحرار .. ينعم فيكى شعبى الأسمر يا بلادى يا بلادى "
وكان أكثر وضوحاً لما قال
  " إشتراكية سودانية .. إشتراكية سودانية .. من واقعنا لا من اكتر "
ويروى الصحفى المصرى يوسف الشريف فى شهادته المهمة عن السودان وأهله " الشاهد أن محمد عثمان وردى أكتشف نفسه يسارياً تلقائياً , ربما بحكم إنتماؤه الطبقى وربما أن الحزب الشيوعى كان حريصاً على جذبه إلى صفوفه " وكان وردى  نجماً دائماً فى حفلات الحزب الشيوعى السودانى .. ويبقى رثائه للمناضل الشيوعى السودانى عبد الخالق محجوب  فى اغنيته الرائعة بعنوان - عريس الحمى -  شاهداً أكيداً على تلك الشهادة تشعر وكأنه لم يكن يغنى فقط عندما قال ..

" يداً لو اذته ما بنسالما .. وكم نندما .. ورايتو ما بنسلما"" دوخ العدا فى محاكما .. كان وفى شمم .. هو الـ بيحاكما ..  روحه لا وجل راح يقدما "
فى المعتقل قبيل إعدامه
عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعى
 







                                                 وردى فى حفل الحزب الشيوعى فى ذكرى عبد الخالق محجوب


و إلى اخر لحظات عمره كان وردى يعلن موقفه  السياسى بكل وضوح ولا يخاف فى الحق لومة لائم ونرجع إلى اخر كلماته فى الحوار الاخيرالذى أجراه قبل رحيله بأيام  مع جريدة " اخر لحظة "
" الوضع السياسي الحالي أدخل شمال السودان في مطب، أولاً التقسيم الذي حدث في الجنوب والذي ظهرت آثاره بوقف البترول والتحرش الموجود بين الشمال والجنوب ومشكلة دارفور ثم جنوب كردفان والنيل الأزرق، فعدم المرونة في سياسة النظام الحاكم أدخلت السودان في أمر ضيق فمهما إدعى النظام بأن الحالة مستقرة فهناك ظواهر تدل على أنهم غير قادرين على وحدة البلاد ولا على علاقتنا مع الجيران ولا التقدم للأمام ."
 الكلام عن وردى لا ينتهى وسيرة وردى تستحق ان تكون موضوعاً للبحث الأكاديمى بأنواعه السياسى والفنى والإجتماعى . وفى النهاية اقول انه من الغبن الشديد ان مطرباً فى قامة وردى لا يتم توثيق مشواره بالشكل اللائق .. ولا تجد تسجيلات نقية واضحة لأهم أعماله واروعها
رحم الله محمد وردى بما أمتع الملايين التى عشقته والتى كان خير معبر عن أحلامها و الآمها وأنتصارتها و إنكسارتها وعواطفها وبما أعطى وطنه النوبى والعربى والسودانى والإفريقى من عظيم فنه . 

نحيب اهل السودان على فقيدهم الكبير

قالوا عن وردى ...

" كانت المرة الأولى التى أرى فيها وردى , ياإلهى بدا المغنى الكبير العظيم متألقاً مثل نبى , شهدناه على خشبة المسرح يشع كتمثال برونز هائل , لم تستطع وسائل التصوير بكافة أشكالها عكس الجمال الكاسح الذى تميز به "
الفاضل الهاشمى بعدما حضر أول حفلة لوردى فى دار سينما الحصاحيصا فى السبعينيات 

" هو نقطة البداية لوعى إستثنائى بالوطن "
محمد صالح إبراهيم - أديب سوادنى

" كان فخوراً بنوبيته , فصيحاً فى عروبته و العروبة أصلاً لم ولن تكون عرقاً , العروبة لسان كما قال الرسول (ص) العربى بلسانه وليس بعرقه "
الصادق المهدى فى رثائه لوردى
أبداً لن أنساك يا وردى ولن تنساك موسيقى وليالى المصريين والسودانيين ولن تنساك الموسيقى العربية ، رحمك الله رحمة واسعة .. وعزائى لكل مصر و السودان
الفنان المصرى محمد منير 


" يا لروعة أستبداد تلك الأسطورة .. إبتسام بقدر كبرياء وشموخ , كلمات دقيقة فيها قوة ونفاذ , مغنى إذا جاز الأختصار ... وطن إذا شئت الأختيار .. هو ذلك الذى يجعل للأمم رسماً "
أحمد القرشى 

" عندما رحل مصطفى سيد احمد رحل نصف الوطن وها هو النصف الآخر يرحل "
مواطن سودانى 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
حفلة وردى فى عدن * : أقيمت الحفلة عام 1984 فى عدن عاصمة اليمن الجنوبى الإشتراكى , التجربة العربية الإشتراكية الحديثة والتى ولدت على اكتاف زعماء يساريين مصريين مثل الراحل زكى مراد والراحل نجيب الهلالى وكانت اكثر من واعدة ولكن تم وأدها بعنف لصالح القوى الرجعية فى المنطقة , والحفلة إقيمت أساساً للأحتفال بذكرى مرور 20 عاماً على ثورة اكتوبر السودانية المجيدة
اما الحفل فأعتقد ان من لم يشاهد وردى فى حفلة عدن فهو لم يشاهد وردى من الأساس . وردى قدم أعظم ادائه وتجلياته فى تلك الحفلة وكان فى قمة لياقته الفنية وكان اداء الفرقة الموسيقية المصاحبة أداء خرافى على حد رأى المتابعون وكان الجمهور وهو خليط من يمنيين و سودانيين وأثيوبيين ومصريين فى حالة انتشاء واضحة , ويلاحظ ذلك بوضوح من خلال تنقل الكاميرا بين صفوف الجماهير حيث كان كلً سابح فى ملكوت المتعة والنشوة بفعل اداء وردى الساحر فى تلك الليلة الفنية التى لا تُنسى . ومن المحزن ان كل التسجيلات المتوافرة لهذه الحفلة ليست على المستوى المطلوب ... يا لسعادة حظ كل من وضعته اقداره فى ذلك المسرح فى تلك الليلة


* الود : احد أشهر اغانى وردى العاطفية و تعد علامة غنائية من حيث الكلمات والألحان وهى من تأليف عمر الدوش وتلحين وردى وقام بتوزيعها الموزع الأرمنى ( اندريا رايدر ) وسجلها وردى فى القاهرة بصحبة أوركسترا مصرى عازف واحد فقط من السودان هو محمدية عازف الكمان الشهير , وقد أشتهرت بمقدمة موسيقية طويلة على غير المألوف وقتئذ فى الأغانى السودانية .
ويحكى وردى حكايته مع الود واندريا رايدر فيقول : عندما دخلتُ الصالة .. أذكر أن بصري وقع أول ما وقع على الفنان الكبير فريد الأطرش وبجانبه عوده المزخرف على نحو أنيق ورائع .. ومجموعة من الفتيات والفنانات المصريات والعربيات .. سألني أندريه مبتسما ابتسامة الفنان الذي يتوقع بحدسه الذكي ميلاد مفاجأة ما من أنت؟أجبته بثبات: (محمد وردي .. مطرب من السودان) .. رحب بي وأجلسني إلى جواره .. أضفتُ بدون تردُّدٍ (لديَّ عمل فني قمت بتلحينه في السودان وأرغب في عرضه عليك لتوزيعه إذا راقك) ، ارتسمت على شفتيه ابتسامة واسعة شجعتني .. طلب أن يسمع شيئا من ذلك اللحن .. لم يكن معي عود .. فبادر أندريه بطلب عود الفنان فريد الأطرش الذي كان ينظر لي نظرة نجم القاهرة للغريب المقتحم .. استجمعت في تلك اللحظات كل شجاعتي لتأكيد استحقاق أغنية الود للمشقة التي تكبدتـها من أجلِها منذ سفري من الخرطوم وحتى وصولي إلى القاهرة وانتهاء باقتحامي هذه السهرة المترفة .. غنَّيت بصوت عالِ أذهل الحضور وتمدد مستفيدا من الصمت الذي فرضه على المكان .. وكانت المفاجأة أن أندريه أمسكني من يدي وطلب مني الانتقالَ معه إلى غرفة داخلية ..كان بها البيانو الكبير الذي يستخدمه شخصياً .. ومنذ تلك اللحظة كان ميلاد أغنية الود التي لم أشأ أداءَها مرةً أخرى حتى لا يتشوَّه توزيع أندريه الرائع لها). وأضاف وردي (أصريتُ على أن يتمَّ عزفُ مقدمة المقطع الثالث من الأغنية بآلة الطمبور.. وكانت تلك مغامرةً تجريبيةً أثبتت إمكانيةَ هذه الآلة العريقةِ على مزاملةِ بقية الآلات الموسيقية الثابتة .. بل وأثبتت تألقها.. وذلك ما جعل ذلك المقطع من الأغنية ساطعَ الحضور في سماء القالب اللحني العام للأغنية". ولأن اللحن بلغ حد الكمال الموسيقي آثر الموسيقار الراحل الا يشدو به مرة أخرى وأضحى لا يعيد غناءها ثانية وظلت هكذا بتوزيع العبقري (رايدر) وإلى الأبد.


* سجن وردى بسبب مأساة التهجير :  نوفمبر 1961م يعتبر علامة أخري فارقة في علاقة وردي بنظام عبود ، ففي ذلك الوقت بدأت الخطوات التنفيذية لتطبيق إتفاقية مياه النيل ، التي مهدت الى قيام السد العالي ، وهو ما يتطلب ترحيل أهالي حلفا .،، الحكومة إقترحت ثلاثة أماكن كخيار أمام الناس : إما منطقة حوض السليم في دنقلا ،، أو جنوب الخرطوم ،، أو حلفا الجديدة ،، ... معظم أهل حلفا إختاروا حوض السليم خياراً أولاً ،، ثم جنوب الخرطوم كخياراً ثانياً ،، وأخيراً حلفا الجديدة .. وأرسلت الحكومة وفداً برئاسة طلعت فريد الذي قاد الجانب السوداني في المباحثات ليخبر الأهالي بذلك .. وكان أن إنفجر الغضب الشعبي وتم حصار الوفد ، وقام النوبيون في الخرطوم بتنظيم إجتماعات في منزل وردي ، ومنازل أخرين أمثال : جمال محمد أحمد وزير الخارجية فيما بعد ،، وأخيه محجوب رجل الأعمال ،، ومحمد توفيق ،، نتج عن هذه الإتصالات الدعوة الى المظاهرات التي تمت في نوفمبر 1961م . وكانت أول تحد شعبي للنظام العسكري ، في تلك المظاهرات عرف وردي مسـيُل الدموع لأول مرة ، وتم إعتقاله مع آخرين ، وأخذوا الى مديرية الخرطوم ، وقرروا ألا يتحدثوا باللغة العربية إطلاقاً في التحقيق . وبالفعل مكثوا عشرة أيام ، ويذكر أنه كان يستجوب وردي ضابط يدعي / عبدالمنعم جاويش  ويقول له : (( يا محمد ... أنت مدرس لغة عربية ، كيف تقول إنك ما بتعرف عربي !؟ ))  وكان ردهم أن يحضروا إليهم ضباطاً نوبيون ليتفاهموا معهم بالرطانة .. وفي النهاية وبعد الفشل في إستجوابهم ، عملوا لهم محكمة صورية ، وحكموا علي وردي بالسجن ومنع أغانيه من الإذاعة .

* جوموجومو كنياتا أول رئيس لكينيا واسمه الكامل كامو جوناتون كينياتا وقد ولد في نيروبى 1894 وتوفي في مومبازا فى 1978 وكان معروفا بجومو كينياتا. كان سياسيا كينيا من أصل قبيلة كيكايو .  وأصبح كينياتا رئيس حكومة كينيا، المستقلة في 12 ديسمبر 1963. وبعد عام أي في 12 ديسمبر 1964 . وكان  رمزا للمقاومة الشجاعة ضد الاحتلال والكفاح من أجل توحيد كافة الطوائف الدينية والعرقية في كينيا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 هوامش ..
أحمد حمروش ... مصر والسودان كفاح مشترك
 يوسف الشريف .. السودان واهل السودان
عبده يوسف صالح .. وردى فنان كل الأجيال
مشار كوال اجيط .. رثاء وردى فى منتدى يوسف كوة
صفحة التعريف بمحمد وردى على موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا
حوار محمد وردى الأخير مع جريدة اخر لحظة