الجمعة، 11 يناير 2013

من المعادى للتحرير ... قصة ميكروباص



- تحرير يا أسطى ..
- تحرير .. يا لورد .. اركب هنا جنبى
انا بكره مترو الأنفاق .. بحس انه مواصلة قمة فى النمطية والملل , مش بس كده .. فى مشكلة كمان اكبر من النمطية
كفاية  ان الناس  مقتحمة  خصوصيتك لما تلاقى نفسك محاط بالناس من جميع الاتجاهات . شخصياً بعتبر ان الدائرة الوهمية اللى قطرها متر وانا مركزها  بعتبرها حدودى وخطوطى الحمرا .. اى تعدى عليها فعلاً بحس انه اعتداء على خصوصيتى واقتحام لنفسى
فكرة انى اضطر اقف جنب حد بالشكل ده والمسافة القريبة اوى دى .. مزعجة جداً
عينك فى عين اللى جنبك مفيش سنتيمرات بينكم .. تدور برأسك يمين او شمال تلاقى روؤس لاصقة فيك وانفاس متداخلة وحاجة كده اخر قرف بجد ..
شخصياً بعتبر الميكروباص او اتوبيس هئية النقل العام الأحمر الجديد ( لو فاضى ) مواصلات مناسبة لحد ما وادمية بشكل معقول
على الاقل الناس بتبقى قاعدين وشوشهم للأمام كلهم وكل واحد سارح فى دنيته .. مش عينه سارحة فى شكل لبسك ومنظر شعرك
ركبت جنب سواق الميكروباص الشاب اللى لابس ترينينج سوت نايكى ومصفف شعره بشكل انيق ولغته مع الناس محترمة جداً
عينى من ساعة لما ركبت من كورنيش المعادى عند المدخل الأول منزلتش من على منظر نيل المعادى ..
لغاية ما وصلنا عند مستشفى المعادى ,, هتقولى عرفت منين انك وصلت لمستشفى المعادى وانتا عينك على الكورنيش ..
هقولك من مهبط الطائرات الهليوكوبتر اللى قصاد المستشفى واللى تم إستخدامه لمرة واحدة فقط  لنقل جثمان  الرئيس السادات  لمستشفى القوات المسلحة فى المعادى بعد  ما أتضرب  بالنار فى حادث المنصة .
عقلك هيكون مشغول بفكرة إغتيال الرئيس وخلفيات الحادثة لغاية ما تشوف على يمينك حروف كبيرة بارزة على واجهة عمارة فخمة جداً .... ابـــــو الـــفـــــتــــــوح ..
فتنسى السادات وتفتكر حسن ابو الفتوح اللى كان من القطط السمان فى عهد السبعينيات واللى اُثروا بشكل بشع من  قرارات الأنفتاح فى عهد السادات ..
كفاية بس تعرف ان السادات صنع فى يوم واحد 28 مليونير تقريباً لما وزع توكيلات الشركات الكبرى على بعض رجال الأعمال المرضى عنهم . وكان توكيل بى ام دبليو من نصيب حسن ابو الفتوح .. رجل الأعمال الزملكاوى الشهير اللى اتولى فى يوم من الأيام رئاسة نادى الزمالك .. واللى يقال إنه وعد فاروق جعفر ملك النص فى زمالك السبعينيات  بسيارة بى ام دبليو اخر موديل لو قدر يقنع  زملاؤه فى الفريق انهم يتهاونوا فى  ماتش كوتوكو الشهير  نكاية فى مجلس الإدارة وقتها وفعلاً حدثت  ما تسمى بفضحية كوماسى وهُـزم الزمالك 5 / 2 وتمت إقالة مجلس الأدارة واتى حسن ابو الفتوح على راس المجلس الجديد ..
ايييييييييييييييه كل ده ... ايه اللى جاب حسن الفتوح والزمالك للى انا بحكى فيه ده
ببساطة هو ده الميكروباص ...
طول ما انتا ماشى دماغك بتشتغل مجرد ما تشوف اسم شارع او يافطة شركة او بيت شخص
مش تقولى مترو الأنفاق ... يا راااااااااااجل يغور بريحته

فى محطة فم الخليج وعند اول شارع قصر العينى .. لمحته واقف , هيئة مرتبكة لحد ما , جسم سمين بس بتماسك وغلظة , وجه مستدير فى سن السبعين تقريباً وتبدو عليه مظاهر القوة والصحة .. عيون واسعة , حواجب كثيفة جداً يكسوها الشيب بقسوة , راس أصلع إلا من قليل من الشعر من خلف ومن الجوانب .. وجهه ضخم ولكن يوحى بالطيبة الشديدة .. يحمل شنطة سفر متوسطة الحجم
ما أن اقتربت العربة منه .. حتى اخد يلوح فى إضطراب .. تحرير ... تحرير ..
ايوة يا حج .. قلتها وفتحت الباب واتخذت مكانى فى الكرسى بينه وبين السائق ..


ناولنى الشنطة قائلاً : ..  ثوانى بس وهاخدها منك تانى لما اركب ..
- على مهلك يا حج هات الشنظة ..
مد يده وامسك باليد أعلى الباب وبذل جهد عظيماً فى رفع جسده من على الارض حتى كرسى الميكروباص .. واستقر أخيراً وتناول شنطته .

وبدأنا ..
- معهد السكر ده ناس محترمين جداً , ربنا يبارك لهم ... مرة روحت هناك كان عندى ازمة .. ماشاء الله عليهم اهتمام ايه ورعاية ايه
قعدت يومين وخرجت زى الفل ... ولغاية دلوقتى الحمد لله ماحصلتليش تانى .. ربنا يشفى كل مريض

- انا : الحمد لله .. ربنا يديك الصحة  .. رديت بأقتضاب وسكتت ..
من طباعى عدم تبادل الحديث مع غرباء

- الشنطة مضايقاك ؟؟؟ 

- لا يا حاج براحتك ... اقعد براحتك خالص

- معلش يا اسطى مش هاعرف اطلع لك الفلوس .. انا معاك لغاية الأخر ما تقلقش اول ما ننزل هدفعلك 

- الأسطى :  ولا يهمك يا حاج ... خلى عنك خالص

- المنطقة دى قديمة جداً على يمينك المنيرة وعلى شمالك جاردن سيتى ... كانت زمان كلها باشوات واكسلانسات دى .. ايام بقى  

قالها ولم ينظر إليه أحد .
بـــدا لنا أنه لا يتوقف عن الحديث , والتواصل معه  والرد عليه لن يكون حلاً مناسباً   .. فى تلك الحالة
 فقد تنزلق لمحادثة طويلة لا تنتهى , فأثرت السلامة وقررت السكوت تماماً ..
يدخل الميكروباص فى شارع جانبى من شوارع جاردن سيتى للهروب من شارع قصر العينى الذى تحول لجراج كبير بفعل الزحام الشديد
نمر امام قصر لأحد باشوات عصر ما قبل 52 ...

- الله ... شوف الجمال .. ياخى سبحان الله العمارات اللى اتبنت دلوقتى وقعت والحاجات دى عدى عليها اكتر من 100 سنة ولسه واقفة زى ماهى .. الناس زمان كان عندها ضمير .. ثم تنهيدة طويلة .

للحظة ,, شعرت بالتعاطف الشديد  معه ... روادنى إحساس انه شخص وحيد لا يجد من يتحدث إليه فيستغل فرصة ركوب اى مواصلة لتبادل الحديث مع من جاوره .. ربما كان أرمل توفيت زوجته وأنشغل اولاده فى حياتهم ويعانى من شعور الوحدة القاتل ..
ولفت نظرى انه حين يبدأ فى التحدث ينظر إلى فى عينى ولا يتكلم فى المطلق مثل كتيرين .. وهذا دليل على رغبته  وإهتمامه بــ خلق حالة ود وتواصل  مع من يتحدث إليه
شعرت بالحرج من نفسى جداً والاستياء فى نفس الوقت .. كيف كنت قاسى هكذا على شخص لا يريد فقط سوى ان يتحدث وان يجد من يسمعه ويرد عليه !!!
... وبدأت ابادله الابتسام ..
ويمر امام الميكروباص المتوقف عن السير بفعل الزحام , طفل يرتدى قميص لبنى اللون وبنطلون كحلى ويتحدث فى هاتفه المحمول ..
وطبعاً لايفوت مثل هذا المشهد على صاحبنا دون تعليق

- الموبايل ده من قيمة كام سنة كده كان الخط بتاعه يجى بتلاتلاف ولا اربعتلاف جنيه... كان بتاع رجال الأعمال بس دلوقتى يا باشمهندس تلاقيه فى ايد العيل فى الحضانة , الحضاااانة !! مش هاقولك المدرسة حتى .. 

- انا : اها . دى حاجة طبيعية دلوقتى يا عمنا
هو فعلاً لا يتوقف عن التعليق عن اى شىء يراه ... كل ما يخطر على باله شىء يتحدث عنه  ولا يتوقف عن الحديث
حتى لو لم يجد مستمع له .. او حتى لم يجد من يرد على كلامه .. هو يتكلم و يستمر فى كلامه مهما حدث .
فى اخر العربة رجل يتكلم بلهجة صعيدية ويبدوا انه يوصف عنوان عبر هاتفه لمتحدث على الطرف الأخر .

- اهو اتفضل يا عم ... عمال يزعق ويقولك ادخل يمين واطلع شمال .. الناس خلاص كلها مش طايقة بعضها .. يلا

- يا سلام لو الجو يمطر شوية عشان العفرة دى ... لو الدنيا مطرت الدنيا هتهدى شوية ده الواحد اتغسل تراب يا اخى

السائق مشاركاً للمرة الأولى : ما الدنيا بتمطر اهى يا حج انتا مش واخد بالك ولا اييييييه

- تهلل فرحاً كأنه طفل صغير : والله ... !!!!   بتمطر .... !!!!
ايوة كده .. اطلع بقى الطاقية بتاعتى .. انا اصلاً والله كنت حاسس , وقلت انها هتمطر وعشان كده قلت لازم اخد الطاقية معايا .. 


تعجبت لموقفه جداً  , فنحن داخل العربة والنوافذ كلها مغلقة ...  لمــاذا الــطــاقـــــــية ؟؟

- انا : طب استنى لما تنزل يا حاج ... هتلبسها جوة العربية ليه ؟ ... ايه لازمتها ؟

- هو بعصبية واضحة : وانا لسه هستنى لما انزل .. !!!
بقولك لازم البس الطاقية دلوقتى  انا كنت حاسس والله انها هتمطر وعشان كده اخدتها قبل ما انزل 


واعتدل فى جلسته وقام بفتح الشنطة واخذ فى البحث بهمة واضحة وسرعة غير مبررة  ..
حتى اخرج ايس كاب من الصوف اسود اللون  وتشعر من طريقة تناوله الحثيث للطاقية الصوفية كأنها شىء عزيز جداً عليه وكأنها قطعة ذهبية ثمينة  واهتم بأن يلبسها بشكل مضبوط  وظل يبحث على العلامة المرسومة عليها حتى يحدد الواجهة من الخلفيه ...
ربما كانت تلك الطاقية، ما حاولت به زوجته العجوز الراحلة أن تدفع عنه بها برد الشتاء، الذي قد يهزم بأقل مجهود جسده السمين الذي أعيا خلاياه السكر، ربما قررت دفع البرد عنه بشرائها من بضعة جنيهات مقتطعة من مصروف البيت، ربما أعطتها له وهي تقول "البسها واوعى تقلعها ف الهوا، اسمع كلامي والبسها علشان تدفي ودانك" وربما مازال في قلبه شئ من طاعة لكلام الراحلة، جعلته يبدو في حالة الإصرار الطفولي الغاضب تلك، ويأبى أن ينزل من الميكروباص لمطر الشتاء وهواءه الطلق إلا وهو مرتديها، وربما.. ربما اشتراها بنفسه ولنفسه بعد بحث بين باعة الأرصفة عليها، فالراحلة قد ماتت قبل أن تشتريها..
وربما و ربما و ربما .....
 وأخيراً وضعها على راسه وظل يوسد راسه من الخلف كثيراً ليضبط وضعها  بشكل اكثر دقة
ثم نظر إلى المرأة على يمينه ..  وتلفت يميناً ويساراً
بـــدا سعيد جداً .. بــــدا سعيداً جداً بصورته وهو يرتدى طاقيته التى أصر على أن يأخذها قبل نزوله من البيت

نص مشترك بين
صفاء سرور
مصطفى الشوربجى
شارع القصر العينى
فى  8/1/2013

هناك تعليقان (2):