الثلاثاء، 12 أبريل 2011

أحلام مواطن نوبى سائح فى أرض الله الواسعة


أشعرُ اليوم بهدوءٍ نيليٍّ لا أدري إنْ كان يـُنذر بفيضانٍ لاحـِقًا، أو بهبوطِ منسوبـِه، وفي الحالتين أحتاجُ دائمًا إلى سـَدٍّ داخلي يحجز خلفه مشاعرَ دفينة لا تفيض ولا يُفاض عليها! تبدأ رحلةُ النهر الخالد من بُحيرة فيكتوريا، ويمر النيلُ مُتهاديًا أحيانًا، ومتعاجـِبًا بنفسه أحيانًا أخرى، ومُضـَيـّعًا للجبال عُمرها، وغاضبًا علىَ مَنْ يُلقون فيه أوساخـَهم. يـَمُرّ علىَ بلادٍ فقيرةٍ فيـُغنيها من عُذوبته، وتخاف منه حكوماتٌ فتـُقيم السُدودَ في وجهه، ومنذ لحظات نبعـِه وحتى انشطار ما يبقى منه إلى توأمين يـَمُرّان علىَ رشيد ودمياط فينتحران معًا في مياه البحر المتوسطِ، يكتب تاريخَ ثـُلث القارةِ السمراء، لكنه لا يستريح إلا بين أيدي النوبيين! كأنه يريد أنْ يتوقف عندنا ليتأكد أننا بخير، وقد عُدْنا إليه في منطقتنا التي لا تستقيم جغرافيا وادي النيلِ بدون أنْ يرتمي في أحضانـِنا! كلُّ جماعةٍ تحتضنها قطعةُ أرضٍ تؤكد أنها مركزُ الكون، أما نحن فنلتزم الصمتَ لأنَّ الكوّنَ هو الذي يتحدث هنا، ففي البدء كانت النوبة! كلُّ جماعةٍ تطالب بحقوقـِها تريد أنْ تنفصل عن الوطنِ الأم، من كوزوفو إلى كـَتالَنيا، ومن كردستان إلى سُكّان عدن، ومن الصحراء المغربية إلى شمال نيجيريا، ومن جنوب السودان إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي، إلا أهل النوبة فنحن متطهـَرون من مياه مَرّتْ على عَشـْر دول أفريقية ثم جاءتنا طواعية لتسأل عن أحوالـِنا، وتستفسر عن مواقف حكومات مصرية مُتعاقبة لم تستوعب أيُّ منها مشاكلَنا، وقضايانا، وهمومَنا، وثقافتـَنا، وخصوصيةَ الإنسانِ النوبي. لو نطق التاريخُ كما يفعل أبو الهول لقال بأننا نحن الأصل، وأنَّ الأغلبية خليطٌ من القادمين والمقيمين، لكن التاريخَ لا يتحدث إلا كما يوحي إليه أصحابُ السُلطة، فيكتبه المنتصر أو السيّد أو الاقطاعي أو ممثل الأغلبية أو المحتـَلّ أو السلطة الوطنية التي قد تقرأ صفحاته بالمقلوب، وتمنح أوسمةَ المواطنةِ الحقيقية وِفـْقَاً لمصلحتـِها. مساء أول أمس اتصل بي أحدُ أصدقائي وكان في وضع نفسي سيء، ولما سألته عن السببِ انفجر في البكاءِ فاهتزت لمواجعـِه أسلاكُ الهاتف! قال لي بأنه ضاق ذرعًا بحياةٍ لم يُخلَق لها، وأنه مُحاطٌ بأناس لا يفهمون ثقافته، ولا يعرفون عن النوبة حرفًا واحدًا، وأنهم صحرايون وحضـَريّون ويستوى لديهم أنْ يكون الماءُ بعيدًا أو قريبًا، أما صديقي الذي توارث عن أجيالٍ قد تمتد بتاريخِ مصر أو قبله تعَلُّقَه المائي بالنيل فلا يستطيع أنْ يتخيل لبرهةٍ واحدةٍ حياةً نوبيةً بعيدًا عن النهر الخالد، فالروحُ يحملها الطـَميّ معه، والقدمُ السمراءُ تتخضب به، ثم تدلف الحياةُ إلى كل جسدٍ يطير وهو ملتصق بالأرض الطيبة، فتجده في أسوان ووادي حلفا وسيبو وكروسكو، بل في كل ما كان يُطلق عليه مملكة كوش التي كانت تنام هادئة ووادعة ما بين جنوب أسوان والخرطوم. هدّأت من روعه، وأسمعته كلمات خالدات لروادِ الثقافةِ النوبيّةِ وفنونـِها العظيمة، وأكدت له أننا راجعون بإذن الله إلى حيث ينتظرنا وادي النيل، فملكيةُ الأرضِ هويّتُنا، ونحن لسنا أقليةً أو انفصاليين أو ميليشيا مسلحة أو طائفيين، إنما أصلُ الجنوب المصري، ومطالبُنا لو كان هناك نصفُ عدلٍ لأدهشت قضاةَ الدنيا وممثلي العدالة لبساطتها، ووضوحِها، وجلائـِها، وأنها القضيةُ الوحيدةُ في القارةِ السمراء التي ليست بها ثغرةٌ يتيمةٌ يحتكم إليها رافضو حقوقنا، ومناهضو مطالبنا العادلة. كلما حاولت الحكومات المتعاقبةُ تذويبـَنا في المجتمع عنوة، أطلـَّتْ الثقافةُ النوبية المقاوِمة لترفض الذوبانَ، والانصهارَ، منذ ترسيم الحدود بين مصر والسودان في عام 1841 مرورًا بتقسيمـِها حسبما تقتضي الاتفاقيةُ التي عقدتها مصرُ مع قواتِ الاحتلال البريطاني عام 1899، وبدأ مسلسلُ فَصْلِ القـُرىَ النوبية عن الوطن الأم، لكن المحنة الأولى كانت قبل ثلاث سنوات من مذبحة دنشواي، أي عام 1902 عندما انتصب خزان أسوان ليحتفظ بفائض المياه فأغرق بعض القرى بسواقيها ونخيلها ومساكنها. حيرتي أحيانًا تكون بين حلمين يصطدمان ببعضهما: حلم وطني لا نزاع في أهميته ومشروعيته كالسد العالي، وحلم نوبي مشروع أيضا في أن نتوارث العيش على أرض أقام عليها أجدادنا حضارات متعاقبة ظلت ترى الخصوصية النوبية خطًا أحمر لا يظلمه الوطن الأم، ولا يفرط فيه أبناء وادي النيل. النوبي قد يختلف جذريًا في تقييم فترة من تاريخ مصر، أو رؤية سلبيات عمل قام به قائدٌ لم يتمكن طموحُه من رؤية المشهدِ النوبي، كما فعل جمال عبد الناصر فكانت مصر هي الأكبر والأهم في فترة حرجة أحاطت بالوطن قوى إمبريالية لتوجعها في مشروعاتها الطموحة، لكننا، أهل النوبة، منحنا اللهُ سلاما داخليا لا تختلط فيه مشاعر الكراهية مع اعتراضاتنا على أي مشروعات نيلية. كلما ابتعدنا عن النيل تساقطت في المسافة التي تفصلنا عن مياهه أجزاءٌ من الهويّة النوبية، لغة وعادات وتقاليد، وكلما جاء جيلٌ اكتشف ثغرات في الهوية جراء التهجير القسري، والتعويضات الهزيلة، واستزراع هوية نوبية في غير مكانها، فكانت الخسارة خسارتين: واحدة لنا والأخرى للوطن الأم. التهديد الثقافي هو الخطر الأكبر الذي يجابهنا، حتى عندما تقدم لنا أيُّ حكومة مصرية مساكن وأراض وتـُعَبّد طـُرُقـًا، فإن المسؤولين الحكوميين لا يستوعبون الخصوصيةَ النوبيةَ في اختيار المكان، والتعامل مع القضايا الصغيرة، ومعرفة أهمية المـَطالب الثقافية التي تسبق الماديات. التعتيمُ على رواد الحركة الفكرية والفنية والثقافية والعلمية ليس له أي تفسير منطقي، فنحن نثري الوطن الأم بما نملك من كفاءات كلما أطلت واحدة منها حاول آخرون قتلها بالصمت. لو عرف التطرف طريقه إلى العالم العربي برمته فإن هناك جماعتين يستعصي على التشدد والتزمت والإرهاب أن يقترب من أي منهما، فالحصانة تسري عبر نوع لا مثيل له من التسامح : إنهما أهل سلطنة عُمان و .. أهل النوبة! هل سمعت عن نوبي يثير شغبا في أي مكان يستضيفه في الغربة والمهجر والسياحة والإقامة المؤقتة أو الدائمة؟ عندما يعمل أحدنا في الخارج لا يمضي وقت طويل قبل أن يطلب صاحب العمل مزيدا من ( هؤلاء ) الناس الذين يحملون معهم كل قيم الخير والتسامح والطيبة وتأدية الأمانة والعمل بجد و .. شرف. طيبتنا لا تتعارض مع شجاعتنا، وعندما كانت قوى النفاق تهلل للرئيس الشاب جمال مبارك في معظم مناطق مصر المنكوبة بحكم الاستبداد، كان النوبيون يعبرون عن شجاعة لا مثيل لها جعلت ابن الرئيس يفهم الرسالة جيدا، فالنوبيون لم يصفقوا له لئلا يظن البعض أننا منفصلون عن هموم الوطن في كراهية الطاغية وابنه. أشعر بأسف شديد لعدم تمثيلنا بعدالة في مؤسسات الدولة ومجالسها البلدية فضلا عن مجلسي الشعب والشورى، ويعود الأمر إلى جهل الكثيرين من المسؤولين المصريين بخصوصية الوضع النوبي. عندما أقوم بزيارة القاهرة والاسكندرية وبورسعيد أضرب كفًا بكفٍ من هول كارثة الجهل بنا، بل إن بعض أبناء بلدي المصريين يظنون أنني سوداني لوحت الشمس الحارقة وجهه، والبعض الآخر يتوهمون أنني أنحدر من أصول أفريقية في الجنوب رغم أن أي دارس للخصائص في علوم الوراثة وطبائع الشعوب ووظائف الأعضاء لا يخالجه أدنى شك في أن تقاطيع وجهي تقترب من سكان شمال البحر الأبيض المتوسط. مهما قدمت الحكومة من وعود كاذبة أو نصف صادقة أو تظاهرت ببناء مشروعات توطينية فإنها غير قادرة على حجب شمس الحقيقة، فنحن كأسماك النيل نتنفس فيه ولو صعد طميه على سطحه، ولو بنت لنا الدولة قصورا في كوم أمبو وإدفو فإن العدل لن يعرف طريقه إلا في عودتنا لمنطقة لم تستطع خزاناتها وسدودها أن تخفت أو تبهت مطالبنا المشروعة. صورتي كمواطن مصري نوبي في الإعلام الرسمي والخاص تشهد بجهل الكثيرين، سهوا أو عمدا، فالنوبي العالم والأستاذ الجامعي والطبيب والسفير والحزبي والمحرر في صحيفة كبرى غير موجود بالمرة، إنما نحن حارسو عمارات يقطنها المصريون، فيستورد الأثرياء منهم هؤلاء السمر الطيبين من الجنوب. تمييز صارخ لم يعد مقبولاً فقد انجلت الحقيقة في عصر الشبكة العنكبوتية، ومن أراد أن يتعرف على النوبي فإن الشاشة التي أمامه والكي بورد تحت أصابعه قادران على تصحيح الخلل في ذهنه لعله يعرف أننا الأصل في هذه الأرض. إننا قادرون على تصدير الفنون بكافة أنواعها إلى العاصمة، لكن المدن الكبرى تبحث عن الأضواء، ثم تعيد تسليطها على من تعرفهم مسبقا، فماسبيرو لاتذيع مثلا لمطربين نوبيين، في شمال السودان أو جنوب مصر، مثل حسن جزولي وحسين بشير وعبده ميرغني وعبد الله ندم وحمزة علاء الدين وحسن الصغير وشعبان عوض و .. غيرهم! نفس الأمر ينسحب على الأدباء والمثقفين والشعراء، فاقتلوهم بالصمت تلك لن تفلح في دفن حضارة لا تزال باقية حتى لو أقامت الدولة سدًا في كل شبر من أرض النوبة الطاهرة. قضيتنا ليست حكرا علينا فقط، لكنها مسؤولية كل الشرفاء القادرين على ايصالها إلى ذوي الأمر والنهي والسلطة. من كان لا يعرفنا من قبل فعذره في جهله بنا، ومن أراد أن يضع أصابعه الدقيقة بينه وبين الشمس ليحجبها فقد آذى عينيه فهما تستمدان النور من الضمير. كل نوبي مدرسة لدماثة الخلق، وقلوبنا رغم فواجعنا لا تزال بيضاء ناصعة تنبض بالحب حتى لمن قاموا بتهجيرنا قسرا وظلما وبغيا. سألني صديق لا تتعدى معرفته بهمومنا جملة أو اثنتين عن تعريف النوبة فقلت له بأن الخصوصية النوبية رسالة سماوية لم تتنزل على نبي، وأخلاق النوبيين كتاب مقدس لا يخرج من تروس المطبعة، لكن صفحات النيل .. ساحر الوجود تفتحه مدارك العقلاء والشرفاء إن أرادوا تقليبها، فالتاريخ بدأ من هنا! تعجب صاحبي، ونظر إلى وجهي النوبي الطيب، ثم أعاد الكـَرَّةَ مرتين، وفهمت إثرها أنه أمسك التاريخ من قلبه وليس من هوامشه. خرجت من بيتي الذي بنته لي الحكومة وصنعت طوبه من أوجاع الغربة، وتمشيت بجوار ترعة صغيرة إنْ روت ما حولها جف ماؤها، ونظرت إلى الأفق فبيني وبين أرض أجدادي عشرات الكيلومترات فقط، وشعرت بأن هويتي النوبية قوة لا يستهان بها، بل لعلي لا أبالغ إن قلت بأنه لو استيقظت ذات صباح ووجدت الوجوه السمراء الطيبة تحكم مصر، من القصر إلى السلطة القضائية، ومن ضباط الأمن إلى مقاعد تحت قبة البرلمان، ومن وزراء إلى مسؤولي التخطيط في شتى المجالات فإن الوطن الأم سيودع إلى الأبد كل صور الفساد والرشوة وانتهاك الحرمات، وستغلق السجون والمعتقلات أبوابها لتحل محلها مستشفيات وجامعات وحدائق، وستقول العدالة كلمتها بعدما أغلق الطغاة فمها، وقطعوا لسانها. النوبة ليست قطعة أرض فقط، لكنها قصة حب بين الإنسان والطبيعة، بين سكان ونهرهم الخالد، بين خصوصية رائعة وتاريخ من العطاء لا ينضب. لو علم النيل بأشجاننا، وأحزاننا، ومواجعنا، وغربتنا في الوطن الأم، لعاد أدراجه، وغير مجراه مرة أخرى. نوبيتي ليست فخرا لي فقط، لكنها ينبغي أن تكون فخرا لكل مصري يريد أن يعثر في أرضه على جزء من اهل بلده لا تزال قلوبهم صافية، وحياؤهم كحياء العذراء في خدرها.

محمد عبد المجيد
رئيس تحرير مجلة طائر الشمال
أوسلو في 16 أغسطس 2010

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق